مفاهيم اسلامية: الحياة الآخرة
مقال الإثنين: 24 / 8 / 2026 ب
قلم : د. هاشم غرايبه
الجاهلون يعتقدون أن حياة الانسان تبدأ يوم ميلاده وتنتهي يوم موته، لكن اولي الألباب يرون أن هذا الكائن المتفرد بين جميع الكائنات بالعقل واستعمله في اختراع أشياء لم تكن موجودة، والذي سخرت له كل الموجودات في الأرض، ويمتلك قدرات جبارة قد تغير مسارات التاريخ، لا يمكن أن يفنى بموته كباقي الحيوانات، كما أن هذا الإنسان الذي صال وجال في حياته، فظلم الآخرين وأضر بهم، وذلك الذي أحسن إليهم ونفعهم، ليس من العدل أن يتساويا في المآل والمصير، بل لا بد أن من خلقهم هكذا، فأتاح لهم الحرية في الاختيار بين الفجور والتقوى، لا بد أن يحاسبهم على ما فعلوه في هذه الحياة الدنيوية، ولا بد من حياة أخرى يجازيهم فيها.
هذا الاستنتاج يتوصل إليه من يتفكر في هذا الوجود بعقل محايد، ويفهم أسراره، لذلك تجد المصلحين وأولي الألباب أول المؤمنين بما أنزله الله برسالاته، لكن الظالمين والمتعالين ومن يغلبون الهوى واتباع الشهوات بلا رقيب يكذبون بتلك الرسالات ويحاربون الرسل والدعاة، لأنهم يريدون التفلت من المسؤلية عن سوء أعمالهم.
كتاب الله أصل العلم، وفيه تبيان لكل شيء، وعند البحث فيه نجده قد بين أن هنالك خمسة أيام تحدد حياة الإنسان:
الأول: عند خلق الله لآدم بالصورة والمواصفات التي أرادها عزوجل، والتي ستنتقل وراثيا الى ذريته وهم الإنسان: “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ..” [الأعراف:11].
الثاني: عندما أشهد الله كل الأنفس على ألوهيته، فأقروا بذلك، فاستخرجها وهي ما زالت في صورة رموز لم تكتسب الحياة بعد، وستكتسبها في الزمن المقدر لتكون كل شخص في رحم أمه: “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ” [الأعراف:172]، وهذه الفترة الطويلة من انتظار بث الحياة في الانسان بحلول الروح في جسده في رحم الأم، سماها الله الموتة الأولى: “كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ” [البقرة:28].
الثالث: هو حياة المرء في الدنيا، بدءا من تكونه في رحم أمه بصورة الزيجوت، ومرورا بمراحل تهيئة الجسد ليكون ذلك الإنسان في أحسن تقويم، صورة وجوهرا: “ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ..” [المؤمنون:14].
وفي هذه المرحلة تتحدد السمات الفردية لكل انسان، التي تميزه عن باقي البشر (حتى أبويه وأجداده)، رغم أنها تكونت بناء على تقاطعات بين الصفات الوراثية للوالدين، لكنها ليست تقاطعات عشوائية كما يعتقد بعض غير المؤمنين، بل محددة مسبقا من قبل الخالق، بدلالة عدم وجود تطابق بين أي من هذه الصفات لدى الأجنة حتى التوائم منها، ومنها التركيب الجزيئي للحمض النووي، والبصمة النسيجية، وبصمة العين وبصمة الآصابع، وربما بصمات أخرى لم يكتشفها الانسان بعد.
وتمتد هذه المرحلة من يوم ولادته الى يوم موته، وفي حقيقة الأمر فالموت هو للجسد، أما النفس فإن الله يتوفاها، أي تعود الى بارئها لتكمل حياتها في يوم رابع.
الرابع: هو حياة البرزخ التي يعيشها بصورة لا نعلم طبيعتها، ما بين موت المرء الدنيوي ويوم الحساب، لكن المؤكد أنها من دون الجسد الدنيوي بقيوده ومحدوديته، وتشبه الى حد ما ما يراه المرء في منامه، فهو ينتقل من مكان الى مكان بلا رجلين ويرى بلا حاجة للعيون، فهي مغمضة أصلاً.
اليوم الخامس والآخير، وهو يوم البعث حيث تعود كل الأنفس الى أجسادها مرة أخرى، بعد أن يعيد الله لها الحياة وتتتشقق عنها قبورها، فيخرجون سراعا للقاء ربهم، سواء من كانوا في قبورهم عبر كل العصور، أو من ماتوا حديثا بالصعقة الختامية: “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ” [الزمر:68]، وبعد الحساب العادل، تبلغ كل نفس بمصيرها: ” وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ”.
ولما أن الموت والحياة كانا للابتلاء، فقد انتفت الحاجة لهما، لذلك ستكون كل الأنفس في الحياة الأخرة مخلدة في جنة أو جهنم.
هذا المحتوى مفاهيم اسلامية: الحياة الآخرة ظهر أولاً في سواليف.





