لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي مفيدة للأطفال واليافعين أم ضارة؛ فالحقيقة أنها تحمل الأمرين معاً، هي نافذة واسعة على المعرفة والتعلم والتواصل، لكنها في الوقت ذاته قد تكون بوابة إلى التنمر والابتزاز والاستغلال والمحتوى غير المناسب والإدمان والعزلة والاضطرابات السلوكية والاجتماعية.
لهذا السبب، بدأت دول كثيرة حول العالم تعيد النظر في العلاقة بين الطفل ووسائل التواصل الاجتماعي، وتشير المقارنات الدولية إلى أن أكثر من 25 دولة اتخذت، أو أقرت، أو أعلنت عن إجراءات وتشريعات تتعلق بتقييد استخدام القاصرين لهذه المنصات، وإن كانت طبيعة هذه الإجراءات تختلف من دولة إلى أخرى؛ منها من اتجه إلى تحديد سن أدنى لإنشاء الحساب، منها من فرض موافقة الوالدين والتحقق من العمر، منها من قيّد بعض خصائص المنصة، ومنها من اتجه إلى حظر الحسابات عن فئات عمرية محددة.
وكانت أستراليا أبرز الأمثلة عندما فرضت نظاماً يمنع القاصرين دون سن معينة من امتلاك حساب على منصات اجتماعية محددة، في تجربة وضعت العالم أمام سؤال لم يعد من الممكن تأجيله: هل أصبح تدخل الدولة لحماية الطفل في العالم الرقمي ضرورة، أم أنه تدخل في حرية الفرد والأسرة؟
في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة، تتوالى النقاشات والمبادرات المتعلقة بعمر المستخدمين، والتحقق من السن، والموافقة الأبوية، وحماية الأطفال من المحتوى الضار والاستهداف الإعلاني والخصائص المصممة لإبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة أمام الشاشة، وأمام هذا التحول العالمي، أعتقد أن الأردن بحاجة إلى أن يفتح نقاشاً وطنياً جاداً حول المسألة.
لا أدعو إلى حظر وسائل التواصل الاجتماعي عن أطفال الأردن بصورة عمياء، ولا أعتقد أن الحظر الكامل هو الحل، التكنولوجيا أصبحت جزءاً من حياة أطفالنا، ومن تعليمهم وثقافتهم، ومن غير الواقعي أن نتعامل معها وكأنها شيء يمكن إزالته من حياتهم بقرار إداري، لكن ترك الطفل وحيداً أمام عالم رقمي مفتوح، ثم مطالبة الأسرة بأن تتحمل المسؤولية كاملة، لم يعد كافياً أيضاً.
فالطفل اليوم قد يمتلك هاتفاً قبل أن يمتلك القدرة على تقدير عواقب ما يراه أو ينشره، وقد يدخل إلى منصة عالمية في دقائق، ويتواصل مع أشخاص لا يعرفهم، ويتعرض لمحتوى لا يتناسب مع عمره وقد يصبح ضحية لتنمر وابتزاز واستدراج بينما يظن والداه أنه يجلس بأمان داخل غرفته، وهنا يجب أن يتغير مفهومنا للحماية. فكما وضعت الدولة قوانين لحماية الطفل في المدرسة والعمل والشارع، فإن عليها أن تفكر بحمايته في الفضاء الرقمي أيضاً.
والأردن يستطيع أن يبدأ بخطوات متدرجة ومدروسة: وضع إطار قانوني لحماية القاصرين على المنصات، تحديد أعمار مناسبة لإنشاء الحسابات، تعزيز آليات التحقق من العمر، تمكين الوالدين من أدوات رقابة حقيقية، تشديد العقوبات على استغلال الأطفال إلكترونياً، ومطالبة المنصات باتخاذ إجراءات أكثر فاعلية تجاه الحسابات والمحتويات التي تستهدف القاصرين. لكن التشريع وحده لا يكفي. نحن بحاجة إلى تربية رقمية تبدأ من المدرسة، يجب أن يتعلم الطالب كيف يحمي خصوصيته، كيف يتعامل مع الغرباء، كيف يميز بين الحقيقة والتضليل، كيف يتصرف إذا تعرض للابتزاز والتنمر، وأن يدرك أن الصورة التي ينشرها اليوم قد تبقى في الفضاء الرقمي سنوات طويلة. كما يجب أن نعيد الاعتبار لدور الأسرة، ليس المطلوب أن يتحول الأب أو الأم إلى شرطي داخل المنزل، وإنما أن يصبح الحوار مع الأبناء حول الهاتف والإنترنت جزءاً طبيعياً من التربية. فالرقابة الأبوية ليست تجسساً، والحماية ليست انتهاكاً للخصوصية عندما يتعلق الأمر بطفل لا يزال في طور بناء شخصيته ووعيه.
وفي المقابل، يجب ألا نعفي شركات التكنولوجيا من مسؤوليتها، فإذا كانت المنصات قادرة على معرفة اهتمامات المستخدم، واقتراح المحتوى الذي يريده، وتحليل سلوكه بدقة شديدة، فمن المنطقي أن تكون قادرة أيضاً على بذل جهود أكبر للتحقق من عمر المستخدم وحماية القاصرين من المحتوى والاستهداف الذي قد يضر بهم، والأردن لديه فرصة لأن يبدأ هذا الحوار قبل أن تصبح المشكلة أكبر.
فبدلاً من انتظار وقوع حالات مؤلمة حتى نتحرك، لماذا لا نضع سياسة وطنية استباقية لحماية الأطفال واليافعين في البيئة الرقمية؟ لماذا لا ندرس تجارب الدول التي سبقتنا، لا لنقلدها حرفياً، إنما لنتعلم منها، إن حماية أطفالنا ليست حرباً على التكنولوجيا إنها محاولة لأن نجعل التكنولوجيا في خدمة أطفالنا، لا أن يصبح أطفالنا في خدمة التكنولوجيا.