بعد الستين, هل تنتهي صلاحية الإنسان للعطاء؟
بقلم : المهندس محمود “محمد خير” عبيد
هل هناك عمرٌ تنتهي عنده قدرة الإنسان على العطاء؟, وهل يصبح الإنسان، بمجرد أن يبلغ الستين، أقل قيمةً وخبرةً وقدرةً على العمل؟ أم أن المشكلة ليست في الإنسان، بل في نظرة مجتمعٍ أصبح أحياناً يقيس الكفاءة بعدد السنوات، بدلاً من أن يقيسها بالتراكمات التي حظي بها الإنسان على مدى سنين عمره من علمٍ وخبرةٍ وتجارب؟
السؤال ليس موجهاً ضد الشباب، ولا هو دعوة لإقصائهم؛ فالشباب طاقة المستقبل، وهم بحاجة إلى الفرصة والثقة والمساحة التي تمكنهم من إثبات أنفسهم. لكن السؤال الحقيقي هو, لماذا يجب أن تكون فرصة الشباب مشروطة بإقصاء من هم أكبر منهم سناً؟.
الإنسان بعد الستين لا يخرج من الحياة المهنية لأنه بلغ رقماً معيناً في شهادة الميلاد. بل في كثير من الحالات يدخل مرحلة جديدة من النضج المهني والإنساني؛ مرحلة يصبح فيها العلم أكثر عمقاً، والخبرة أكثر تراكمًا، والقدرة على قراءة المواقف أكثر نضجاً، والقرار أقل اندفاعاً وأكثر اتزاناً.
فالسنوات لا تمنح الإنسان الخبرة تلقائياً، لكنها تمنح من عاش وتعلم وجرّب فرصةً لتراكم المعرفة. وما مرّ به الإنسان من نجاحات وإخفاقات، ومن قرارات أصاب فيها وأخرى أخطأ فيها، ومن أزمات تجاوزها ومواقف تعلم منها، يتحول مع الوقت إلى رأس مال معرفي وإنساني, لا يمكن الحصول عليها في قاعات الدراسة وحدها.
هل الستون نهاية العطاء؟، إذا كان بلوغ الستين يعني انتهاء صلاحية الإنسان للعطاء، فعلينا أن نعيد النظر في كثير من المفاهيم التي تقوم عليها المؤسسات والدول.
لماذا لا نقول الشيء نفسه عن الطبيب الخبير؟، أو المهندس الذي أمضى أربعين عاماً في المهنة؟
أو الأستاذ الجامعي؟ , أو القاضي؟, أو المستشار الإداري؟, أو رجل الأعمال؟, أو الباحث والعالم؟, هل تصبح كل هذه الخبرات عديمة القيمة في اليوم التالي لبلوغ صاحبها الستين؟
بل على العكس؛ هناك أعمال ومهن تصبح فيها الخبرة أهم من سرعة الحركة، والحكمة أهم من الاندفاع، والقدرة على اتخاذ القرار أهم من مجرد تنفيذ التعليمات.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس “كم عمرك؟”, بل “ماذا تستطيع أن تقدم؟”, عندما يتحول السن إلى حكم مسبق, فمن أكثر الممارسات التي تستحق النقد في سوق العمل أن يتم استبعاد المتقدم للوظيفة بمجرد معرفة عمره.
قد يتقدم شخص في الثانية والستين إلى وظيفة في مجال تخصصه، فيُقال له ببساطة “Overqualified”, نعم قد يكون بالفعل “Overqualified” ولكن أليس ذلك في بعض الحالات لمصلحة المؤسسة نفسها؟”, إذا ما كانت المؤسسة تبحث عن المعرفة والخبرة والقدرة على حل المشكلات واتخاذ القرار، فلماذا تصبح الخبرة الزائدة عيباً؟
المؤسسة الذكية لا ينبغي أن تخاف من الشخص المؤهل أكثر من اللازم؛ بل ينبغي أن تسأل نفسها كيف تستثمر هذا التأهل لمصلحتها, قد لا يحتاج الخبير إلى وظيفة تنفيذية تقليدية، لكنه قد يكون مستشاراً ممتازاً، أو موجهاً للفرق، أو مدرباً للموظفين، أو عضواً في لجنة استراتيجية، أو صاحب رأي في القرارات الكبرى.
وهنا تتحول الخبرة من “Overqualified” إلى”Added Value”, هل الستيني أقل صحة بالضرورة من الشاب؟، وهناك افتراض آخر لا يقل خطورة أن التقدم في العمر يعني بالضرورة ضعف القدرة الجسدية والصحية، وهذا أيضاً حكم مسبق., فقد يكون هناك شاب في العشرينات يفتقر إلى الانضباط والطاقة المهنية، وقد يكون هناك إنسان في الستين يتمتع بصحة جيدة، ونشاط، وانضباط، وقدرة عالية على العمل., لذلك فإن معيار اللياقة يجب أن يكون “متطلبات الوظيفة وقدرة الشخص الفعلية على القيام بها”، لا الرقم المطبوع في بطاقة الهوية.
فالوظيفة التي تحتاج إلى جهد بدني شاق لها معاييرها الصحية والبدنية، والوظيفة التي تعتمد على التفكير والإدارة والخبرة والاستشارة لها معايير مختلفة.
ماذا يخسر المجتمع عندما يقصي أصحاب الخبرة؟, المشكلة لا تتعلق فقط بحق الإنسان في العمل, عندما تُقصى الخبرات المتراكمة من سوق العمل، يخسر المجتمع جزءاً من ذاكرته المهنية, فكل مؤسسة لديها أخطاء سابقة، وأزمات مرت بها، وقرارات نجحت وأخرى فشلت، ومواقف لا توجد في الكتب ولا في ملفات الشركة.
الشخص الذي عاش هذه التجارب يستطيع أحياناً أن يقول للشاب, “لا ترتكب هذا الخطأ؛ لقد جربناه من قبل” , وهنا تصبح خبرة الـSenior وسيلة لتقليل كلفة الـTrial & Error..
لماذا نعيد اكتشاف الأخطاء نفسها كل جيل، إذا كان بإمكاننا أن نتعلم من الذين سبقونا؟, الشاب قد يمتلك سرعة التعلم، والطاقة، والأدوات الرقمية، والأفكار الجديدة., والخبير قد يمتلك المعرفة المتراكمة، وفهم السياق، والقدرة على توقع المخاطر، وقراءة الناس والمواقف, فلماذا نضع الاثنين في مواجهة بعضهما بدلاً من أن نجمع قوتهما؟.
الشباب ليسوا بديلاً عن الخبرة, والخبرة ليست بديلاً عن الشباب, المعادلة الصحيحة ليست “شباب ضد كبار السن” , المعادلة الصحيحة هي “طاقة الشباب + حكمة الخبرة = مؤسسة أقوى”, الشاب يحتاج إلى من يختصر عليه الطريق، والخبرة تحتاج إلى من يحملها إلى المستقبل., الشاب قد يعرف كيف يستخدم أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن الخبير قد يعرف متى يجب استخدام الأداة ومتى لا يجب استخدامها.
الشاب قد يملك المعلومة، لكن الخبير قد يملك القدرة على تفسيرها ووضعها في سياقها, الشاب قد يملك السرعة، لكن الخبير قد يعرف الطريق., ولهذا فإن المؤسسة الناجحة ليست التي تختار بين الشباب والكبار، بل التي “تبني جسراً بين الجيلين”
ماذا لو طبقنا منطق “الستين” على القيادات السياسية, هنا تظهر المفارقة الكبرى, إذا كان الإنسان يفقد قدرته على القيادة والعطاء بمجرد بلوغه الستين، فلماذا لا نطبق المبدأ نفسه على كل مواقع المسؤولية؟, لماذا نطالب موظفاً في شركة خاصة بالتقاعد بسبب عمره، بينما قد يستمر أصحاب القرار والقيادات السياسية والإدارية والفكرية في مواقعهم وهم في أعمار متقدمة؟
المشكلة إذن ليست في الستين، المشكلة في المعيار الذي نستخدمه للحكم على الإنسان., إذا كان العمر وحده معياراً، فعلينا أن نكون متسقين مع أنفسنا., أما إذا كانت الكفاءة والصحة والقدرة على الإنجاز والحكمة والنزاهة هي المعايير، فلا ينبغي أن يكون العمر وحده سبباً للإقصاء.
ماذا يمكن أن تفعل الشركات؟ , بدلاً من وضع حاجز عمري جامد، يمكن للمؤسسات أن تعتمد معايير أكثر عدلاً وواقعية, الكفاءة الفعلية والمهارات المطلوبة للوظيفة, الخبرة ذات الصلة، وليس مجرد عدد سنوات العمل., القدرة الصحية والبدنية بحسب طبيعة الوظيفة., القدرة على التعلم والتكيف مع التقنيات الحديثة., الإنجاز والنتائج السابقة., القدرة على العمل ضمن فريق متعدد الأجيال., الاستعداد للتعلم من الشباب وتعليمهم في الوقت نفسه., إمكانية الاستفادة من الشخص كخبير أو مستشار أو Mentor حتى لو لم يكن مناسباً لوظيفة تنفيذية كاملة., بهذه الطريقة لا تصبح المسألة “شاب أم ستيني؟”، بل “من هو الشخص الأكثر قدرة على إضافة قيمة حقيقية إلى المؤسسة؟”
الإنسان ليس تاريخ ميلاده, ربما آن الأوان لأن نتوقف عن النظر إلى الإنسان باعتباره رقماً في قاعدة بيانات الموارد البشرية., الإنسان ليس عمره., الإنسان هو مجموع ما تعلمه، وما عاشه، وما أنجزه، وما أخطأ فيه، وما صححه، وما تركه من أثر في الآخرين, وقد يكون الإنسان في الستين قد أمضى أربعة عقود في بناء معرفة لا يمكن اختصارها في شهادة جامعية أو دورة تدريبية., ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه مسؤول الموارد البشرية ليس “كم عمرك؟” بل “ماذا تستطيع أن تضيف إلينا؟” وإذا كانت الإجابة “لديك خبرة أكبر من المطلوب”، فربما يجب أن يكون السؤال التالي “كيف نستفيد من هذه الخبرة؟”, لا أن يكون القرار “أنت Overqualified… ولذلك مرفوض.”
نحن لسنا بحاجة إلى مجتمع يستبدل الكبار بالشباب، ولا إلى مجتمع يغلق الأبواب أمام الشباب بحجة الخبرة,
نحن بحاجة إلى مجتمع يفهم أن لكل جيل دوره، ولكل مرحلة من العمر قيمتها, الشباب هم المستقبل، لكن المستقبل لا يبدأ من الصفر, إنه يبنى فوق تجارب من سبقونا , وإذا كان من الحكمة أن يتعلم الإنسان من أخطائه، فمن الحكمة الأكبر أن يتعلم من أخطاء الآخرين حتى لا يدفع ثمنها مرة أخرى.
لذلك، لا ينبغي أن يكون بلوغ الستين إعلاناً بانتهاء العطاء، بل ربما يكون بداية مرحلة مختلفة منه؛ أقل اندفاعاً، وأكثر عمقاً، وأشد قدرة على نقل المعرفة، وصناعة القرار، وتوجيه الأجيال.
فالإنسان لا يتقاعد من الحياة عندما يبلغ الستين، ولا تنتهي قيمته بانتهاء وظيفته, وقد يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا “هل نريد مجتمعاً يستهلك الإنسان حتى سن الستين ثم يضعه على الهامش، أم مجتمعاً يحسن استثمار خبرته إلى جانب طاقة شبابه؟”, فالخبرة التي لا تُنقل إلى جيل جديد تضيع، والشباب الذين لا يتعلمون من خبرة من سبقوهم قد يضطرون إلى إعادة التجربة من البداية.
في عالم سريع التغير، ربما لا تكون المشكلة أن لدينا أناساً أكبر سناً في سوق العمل, بل أن لدينا أحياناً مؤسسات لا تعرف كيف تستفيد من خبرتهم.
هذا المحتوى بعد الستين, هل تنتهي صلاحية الإنسان للعطاء؟ ظهر أولاً في سواليف.



