الجلوة … بين الأمس واليوم
المهندس : عبدالكريم أبو زنيمة
ينشغل الناس هذه الأيام بموضوع الجلوة العشائرية والتي تهدف إلى “حماية الأفراد ومنع الاحتكاك والانتقام بين المتخاصمين ” ، وكي لا أتهم بعدائي للعشائرية فإني ابن عشيرة وقبيلة معروفة عبر التاريخ ، لكني وكم تمنيت أن ينصب الاهتمام الحكومي بمعالجة الأسباب التي تؤدي إلى ارتكاب الجرائم لا معالجة النتائج وأن تبحث عن الحلول لمعالجة الأمور المعيشية والحياتية للمواطن التي أصبح يئن تحت وطأتها ، إن الفشل الاقتصادي والإداري للدولة أدّى إلى تفشي كل مسببات ارتكاب الجرائم ، وأن معظم مرتكبي الجرائم هم من أبناء البطالة والمخدرات واليأس والجهل والتخلف .
في زمن اللادولة كانت العشيرة هي الدولة ، ورسخت عبر تاريخها منظومة القيم والأخلاق والسلوكيات النبيلة من خلال أعرافها وتقاليدها وقوانينها الصارمة ، وحافظت على السلم المجتمعي والعلاقات الإنسانية فيما بينها ومع الآخرين ، لقد أفرز التاريخ العشائري أعرافاً أقوى من النصوص القانونية المعمول بها حالياً وأوجد وسائل وأساليب وأدوات ردع عقابية أكثر فاعلية منها اليوم ، ولكن ومع تشكل الدولة التي يتغنى بها كل المسؤولين بأننا دولة قانون ومؤسسات فهل تجوزهذه الازدواجية بين مدنية الدولة والعشائرية ؟! خاصة وأن قانون العشائر أُلغي عام 1976، وما هو معمول به الآن عشائريا هو بموجب وثيقة عشائرية وُقِّعت في ثمانينات القرن الماضي .
معظم الأمراض الاجتماعية السائدة اليوم وخاصة ما يحدث في الجامعات التي تعتبر مراكز العلم والنهضة والفكر ، وكذلك لجوء الفرد إلى عشيرته ، وتلك الفزعات العشائرية لهذا المسؤول أو ذاك ، ولغة التهديد والوعيد المبطنة من بعض العشائر للدولة ، هو نتيجة لفشل الدولة في بسط هيبتها ، ولا أعني هيبة القوة الأمنية ، وإنّما هيبة القانون وسيادته ، فهذا الارتداد نحو العشائرية يعني غياب دولة القانون والعدالة والمحاسبة ، كل هذه المظاهر تُلجَم عندما تسود العدالة ويطبق القانون .
في الدول المدنية الديمقراطية تقوم العلاقات الاجتماعية والسياسية بين الأفراد والدولة وتتحدد حقوقهم وواجباتهم بموجب عقد اجتماعي تشريعي “الدستور” يتساوى ويخضع فيه الجميع للقوانين والتشريعات المنبثقة عنه ، أمّا في الدول الفاشلة فيبقى التغني بالحداثة مجرد شعارات ، بل أن السلطات الحاكمة فيها غالبا ما تستغل العشائرية لتمرير اجندتها والتغطية على فشلها ، وهذا ما نراه من شراء الحكومات لشيوخ النفاق والارتزاق والتسحيج الذين يتسابقون ويلهثون وراء المشاكل الاجتماعية مقابل عمولات ورشى وسمسرات مالية ، للأسف ومن العار أن يتشارك هؤلاء الشيوخ الجدد مع أؤلئك الشيوخ ولو بالاسم ، أؤلئك كانوا شيوخ العز والكرامة والحكمة والنبل والوفاء والإخلاص والصدق والجود .
أمّا موضوع الجلوة ، بالأمس كان من السهل جداً إجلاء المتخاصمين من أماكن سكناهم ، حيث كانت سمة المجتمعات والعشائر هي التنقل والترحال ، أمّا اليوم فالكل ثابت في بيئته ومسكنه ، وليس هناك عدل كالعدل الإلهي المطلق ، أن يتحمل كل إنسان لوحده مسؤولية أفعاله بقوله تعالى ” ولا تزرُ وازرة وزر أُخرى ” وأن تقتصر الجلوة على الفاعل وأخوته وأبيه ، شريطة أن تتكفل الدولة ” كفيل دفا ” وبشكل صارم جداً بحماية الآخرين من أفراد عشيرة الجاني ، على أن لا يستفيد مرتكب الجريمة من أية أسباب مخففة للحكم كالصلح او إسقاط الحق الشخصي ، أيّ أن يقضي كامل العقوبة في السجن ، وأن تُشدّد وتُغلّظ عقوبات القتل وانتهاك الأعراض والاعتداء على الآخرين .
هذا المحتوى الجلوة … بين الأمس واليوم ظهر أولاً في سواليف.



