السلم الأهلي في سوريا.. اختبار الدولة والمجتمع معاً
في ظل التحولات التي تشهدها سوريا اليوم، تبرز الحاجة إلى خطاب وطني جامع يعيد توجيه البوصلة نحو ما يوحّد السوريين لا ما يفرقهم. فبعد سنوات طويلة من الأزمات والتحديات، لم يعد السؤال المطروح هو: من المخطئ ومن المصيب؟ بقدر ما أصبح: كيف يمكن حماية المجتمع؟ وكيف يمكن تعزيز الاستقرار بما يضمن مستقبلاً أكثر أماناً لجميع السوريين دون استثناء؟
وأظهرت التجارب أن المجتمعات التي تمر بظروف معقدة تكون أكثر عرضة للتأثر بالشائعات، أو بخطابات التوتر، أو بردود الفعل السريعة التي قد تبدو مبررة في لحظتها، لكنها تحمل في طياتها مخاطر كبيرة على المدى البعيد. ومن هنا تبرز أهمية الوعي الجماعي بوصفه خط الدفاع الأول، ليس فقط في مواجهة التحديات، بل في منع تضخمها وتحولها إلى أزمات أوسع. فالحفاظ على السلم الأهلي لا يبدأ من القرارات الكبرى فحسب، بل من السلوكيات اليومية، ومن طريقة التعاطي مع الآخر، ومن القدرة على ضبط الانفعال في لحظات التوتر.
إن التنوع الذي يميز المجتمع السوري، بكل مكوناته الثقافية والاجتماعية، ليس نقطة ضعف، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا ما أُدير بطريقة إيجابية قائمة على الاحترام المتبادل والشعور بالمصير المشترك. فكل مكون، مهما كان حجمه، يشكل جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، وأي خلل في هذا النسيج ينعكس على الجميع دون استثناء. لذلك، فإن تعزيز الثقة بين الأفراد والمجتمعات المحلية لا يتحقق بالشعارات، بل من خلال ممارسات حقيقية تعزز التعاون وتحد من التوتر وتبني جسوراً من التفاهم.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية دور الدولة ومؤسساتها في ترسيخ بيئة آمنة يشعر فيها المواطن بأن حقوقه مصانة، وأن القانون يُطبّق على الجميع بعدالة وشفافية. فوجود مؤسسات فاعلة وقادرة على ضبط الأمن ومواجهة أي تجاوزات تسهم في طمأنة المجتمع، وتخفف من مشاعر القلق التي قد تدفع بعض الأفراد إلى سلوكيات ناتجة عن الخوف أو انعدام الثقة.
لكن في المقابل، يبقى للمجتمع دور أساسي في دعم هذا المسار. ويتجلى ذلك في رفض خطاب الكراهية، وعدم الانجرار وراء أي دعوات للتصعيد، والحرص على تحكيم العقل وتغليب لغة الحوار. فالكلمة قد تكون أداة بناء، وقد تتحول في لحظة إلى شرارة توتر، ما يجعل المسؤولية مشتركة في اختيار المسار الذي يخدم المصلحة العامة.
كما أن التعامل الواعي مع الأحداث، خاصة في ظل سرعة انتشار المعلومات، يشكل عاملاً حاسماً في منع تضليل الرأي العام أو تأجيج المشاعر. فالتثبت من الأخبار، وتجنب التعميم، والابتعاد عن إصدار الأحكام المسبقة، كلها ممارسات بسيطة لكنها ذات أثر كبير في حماية المجتمع من الانزلاق نحو مسارات غير محسوبة.
وفي هذا السياق، يقول الباحث والأكاديمي الدكتور عرابي عرابي لـ “963+”، إن ما يُفهم من تحليل تجارب الدول الخارجة من النزاعات، كما في الحرب الأهلية اللبنانية والحرب الأهلية العراقية، أن الانزلاق نحو صراعات فئوية لا ينشأ من التنوع بحد ذاته، بل من إساءة إدارة هذا التنوع وتحويله إلى أداة للتعبئة والتجييش، بدل إدراجه ضمن إطار سياسي وقانوني جامع يضمن المساواة ويمنع تهميش الآخرين.
وفي الحالة السورية، يتمثل الشرط الأساسي لتفادي هذا المسار في إعادة بناء الثقة بين المكونات، وترسيخ سلطة الدولة القادرة على فرض القانون على جميع الفئات والطوائف، وضبط استخدام القوة، ومنع تشكل مراكز نفوذ موازية.
ويشير عرابي إلى أن الاستقرار المجتمعي لا يتحقق إلا من خلال تلازم ثلاثة مسارات: مسار سياسي يؤسس لعقد اجتماعي عادل، ومسار اقتصادي يخفف من التفاوت ويحد من الهشاشة، ومسار اجتماعي يعيد ترميم العلاقات المتضررة بفعل الحرب. وفي هذا السياق، تتوزع مسؤولية السلم الأهلي على مستويات متعددة، حيث تضطلع الدولة بالدور المركزي في فرض الأمن وحماية الحقوق، بينما تؤدي القيادات المجتمعية دور الوسيط في احتواء التوترات، ويسهم الأفراد في تثبيت الاستقرار عبر ضبط الخطاب اليومي ورفض التحريض.
أما الإعلام والمؤسسات التعليمية بحسب عرابي، فيبرز دورهما بوصفهما أداتين حاسمتين في تشكيل الوعي الجمعي. وقد بيّنت تجارب مثل الإبادة الجماعية في رواندا أن الإعلام قد يتحول إلى أداة تعبئة للعنف إذا تُرك دون ضوابط، بينما يمكنه، إذا أُحسن توجيهه، أن يسهم في نشر خطاب جامع وتعزيز ثقافة الحوار. وبالمثل، يُعد التعليم استثماراً طويل الأمد في بناء مناعة فكرية لدى الأفراد، من خلال ترسيخ قيم المواطنة والتعددية والتفكير النقدي.
ومن وجهة نظر الكاتب والباحث درويش خليفة، فإن الآليات العملية التي يمكن اعتمادها لتحقيق مصالحة مجتمعية مستدامة تبدأ بفرض الأمن والسلم الأهلي على الأرض من قبل مؤسسات الدولة المختصة، وفي مقدمتها وزارة الداخلية والأمن العام ووزارة الدفاع. ومن ثم، وبعد تثبيت الأمن والاستقرار، يمكن الانتقال إلى المسارات الأخرى ذات الصلة، مثل المسار الإعلامي، والحوار الوطني، وعقد المؤتمرات والورشات التي تجمع مختلف الأطراف والمكونات على أساس حوار شامل وبنّاء.
ويؤكد في تصريحات لـ “963+”، أن الإعلام يلعب دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر ونقل الصورة الوطنية الصحيحة والسليمة التي تنظر إلى جميع مكونات الشعب على قدم المساواة. كما أن توفير الحريات العامة، وتحصين الحقوق، واستبعاد العناصر المتطرفة، ومنع الإقصاء، تُعد جميعها ركائز أساسية لأي عملية استقرار حقيقي. وهذه المبادئ ليست مطالب خارجية بقدر ما ينبغي أن تكون بديهيات في الواقع السوري.
ويقول خليفة إن أي حديث عن مصالحة مجتمعية مستدامة يبقى غير مكتمل ما لم تتوفر حياة طبيعية قائمة على التعايش الحقيقي بين مكونات المجتمع السوري، الذي عاش معاً منذ مئات السنين. ومن هنا، يجب العمل على استبعاد العوامل الطارئة التي ساهمت في نشوء الخلافات، سواء كانت فئوية أو عرقية أو سياسية أو مناطقية أو عشائرية، وكذلك الحد من الأفكار والجماعات التي دخلت على النسيج الاجتماعي وزرعت بذور الفتنة والانقسام والتطرف ورفض الآخر. وعند العمل على ضبط هذه العوامل أو إزالتها ضمن أطر قانونية ومؤسساتية واضحة، تصبح الحياة أكثر استقراراً، وتصبح الحاجة إلى “مصالحة” بالمعنى التقليدي أقل، لأن المجتمع يعود تدريجياً إلى طبيعته التعايشية. حينها يمكن ترميم الندبات التي خلفتها تلك العوامل، ومعالجتها بشكل سليم ومنطقي، بما يعيد للحياة الاجتماعية استمراريتها الطبيعية.
ويرى خليفة أن تفادي الانزلاق نحو صراعات فئوية مدمرة يتطلب تعزيز المشاركة السياسية في سوريا، واستقطاب جميع الفئات المجتمعية، سواء على أساس قومي أو عرقي أو فكري، بما في ذلك الليبراليون والعلمانيون والإسلاميون، بحيث يكون الجميع معنيين بالمشاركة في بناء سوريا الجديدة على أساس وطني جامع، بعيداً عن الأيديولوجيات الضيقة والمصالح الفئوية.
ويشدد الكاتب والباحث السوري على أنه يجب في هذه المرحلة الحساسة، أن تكون الوطنية هي المظلة الجامعة، مع ترك مساحة للاختلاف في بعض القضايا والتوافق في أخرى، ضمن إطار يحفظ وحدة البلاد. فالوضع الحالي في سوريا والمنطقة يتسم بحساسية عالية، ما يجعل المسؤولية مشتركة بين الجميع للحفاظ على وحدة المجتمع والدولة.
كما أن موضوع السلم الأهلي يرتبط أساساً بمسألة المشاركة الواسعة لكل الفئات السورية، بما في ذلك الشخصيات النخبوية والمجتمعية والتيارات المختلفة. وفي هذا السياق، تتحمل الحكومة مسؤولية كبيرة في إطلاق حوار وطني شامل وواسع، وليس شكلياً، على غرار بعض التجارب السابقة التي لم ترقَ إلى مستوى الحوار الحقيقي.
ويتابع خليفة، “المرحلة الانتقالية تتطلب الابتعاد عن نمذجة سوريا وفق تجارب محلية ضيقة، والعمل بدلاً من ذلك على بناء نموذج وطني جامع لكل السوريين. ولا شك أن الإعلام المستقل والرسمي، إلى جانب منظمات المجتمع المدني والاتحادات الطلابية، جميعها شريكة في الحد من خطاب الكراهية وتعزيز ثقافة الحوار”.
ويذكر أهمية عدم إغفال أن تحقيق التسامح المجتمعي يرتبط أيضاً بمسار العدالة الانتقالية، إذ إن تجاوز هذا المسار أو تطبيقه بشكل انتقائي قد يؤدي إلى مزيد من التوتر والتصعيد، سواء على المستوى الخطابي أو حتى الاجتماعي. فالمجتمع السوري لا يزال يخرج من صراع طويل امتد لأربعة عشر عاماً، ولا يمكن القفز فوق المراحل الأساسية التي تلي انتهاء النزاعات.
ويختم الكاتب درويش خليفة حديثه بالتأكيد على ضمان الحريات العامة ضمن إطار دستوري واضح، وتكريس مبدأ الحوار، وهما يشكلان أساساً لأي استقرار مستدام. كما يجب أن تكون هذه الحقوق محمية دستورياً، وليست مجرد منحة من السلطة، بل جزءاً من بنية الدولة، ومصانة عبر مؤسساتها الأمنية والعسكرية المعنية بحماية الأمن والاستقرار.
اقتباس: “السلم الأهلي في سوريا مسار مشترك يبدأ بالقانون وبناء الثقة وإدارة التنوع، ويكتمل بحوار وطني وعدالة انتقالية تضمن الاستقرار للجميع”.
The post السلم الأهلي في سوريا.. اختبار الدولة والمجتمع معاً appeared first on 963+.





