اغتيال القادة… حين تظن إسرائيل أن الجسد هو الفكرة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب - زياد فرحان المجالي
ليست المأساة الفلسطينية أن إسرائيل تغتال القادة واحدًا تلو الآخر فقط، بل أن المؤسسة الإسرائيلية ما تزال، بعد عقود طويلة من الحرب، تتصرف كما لو أن القضية يمكن أن تُحسم برصاصة، أو تُدفن تحت ركام منزل، أو تُختصر في اسم يُشطب من قائمة المطلوبين.
منذ بدايات الصراع، بنت إسرائيل جزءًا كبيرًا من عقيدتها الأمنية على فكرة "قطع الرأس”. اغتيال القائد، تصفية العقل المدبر، إنهاء الحلقة الأقوى في التنظيم. لكن التجربة التاريخية كانت تقول دائمًا شيئًا مختلفًا: يسقط الرجل، وتبقى الرواية؛ يُقتل القائد، وتخرج الفكرة من بين الأنقاض بصورة جديدة أكثر قسوة وصلابة.
اغتيل الشيخ أحمد ياسين، فخرجت أجيال كاملة تحمل صورته لا كرجل قُتل، بل كرمز بقي حيًا في الوعي الفلسطيني. اغتيل عبد العزيز الرنتيسي، ثم قادة كثر بعده، لكن الحركة لم تنتهِ. اغتيل عماد عقل ويحيى عياش وأبو علي مصطفى وفتحي الشقاقي، ثم تحولت أسماؤهم إلى جزء من الذاكرة الجماعية للصراع. وحتى حين ظنت إسرائيل أنها نجحت في كسر البنية القيادية للفصائل، كانت الحرب تعود لتثبت أن التنظيمات تستطيع إعادة إنتاج نفسها، لأن أصل القضية لم يُحل أصلًا.
المشكلة أن إسرائيل تقرأ الصراع أحيانًا بعقل أمني صرف، لا بعقل سياسي أو تاريخي. ترى في القائد "هدفًا عملياتيًا”، بينما يراه الشارع الفلسطيني جزءًا من سردية أوسع مرتبطة بالاحتلال والحصار والحرب والهوية. لذلك يتحول الاغتيال، في كثير من الأحيان، من أداة ردع إلى أداة تعبئة وغضب وإعادة إنتاج للمواجهة.
في غزة تحديدًا، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا. فالحرب المستمرة منذ شهور طويلة لم تنجح في إنهاء الفكرة المسلحة، رغم حجم الدمار الهائل والاغتيالات والاستنزاف. بل إن إسرائيل نفسها تعود في كل مرة لتعلن اغتيال "قائد جديد”، ما يعني أن البنية التي تحاول سحقها ما تزال قادرة على إنتاج قيادات بديلة ومسارات بديلة.
وآخر الاغتيالات لا يخرج عن هذه القاعدة؛ فهو قد يغيّر اسمًا في الواجهة، لكنه لا يغيّر جوهر المعادلة: ما دامت جذور الاحتلال والحصار والتهجير قائمة، فإن الفكرة ستظل تبحث عن جسد جديد تحمله، وعن صوت جديد يعلن حضورها من بين الركام.
هذا لا يعني أن الاغتيالات بلا أثر. على العكس، هي تؤلم التنظيمات، وتربكها، وتخلق فجوات عملياتية حقيقية، وقد تؤخر قرارات أو تغيّر تكتيكات. لكنها لا تبدو قادرة وحدها على صناعة "النصر النهائي” الذي تعد به الحكومات الإسرائيلية جمهورها منذ سنوات. فالمشكلة ليست في قدرة إسرائيل على الوصول إلى القادة، بل في عجزها عن الوصول إلى نهاية سياسية للصراع.
ولهذا تتحول بعض الاغتيالات إلى لحظة دعائية أكثر منها نقطة تحول استراتيجية. تُقدَّم الصورة للجمهور الإسرائيلي باعتبارها إنجازًا كبيرًا، ثم يعود السؤال نفسه بعد أسابيع: ماذا بعد؟ هل انتهت الحرب؟ هل انتهت المقاومة؟ هل عاد الأمن الكامل؟ أم أن الصراع يدخل فقط مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا؟
الأخطر أن سياسة الاغتيالات تترك أثرًا معاكسًا على المدى البعيد. فكل قائد يُقتل يتحول، في المخيال الشعبي الفلسطيني والعربي، إلى "قصة”. ومع الزمن تتحول القصص إلى ذاكرة، وتتحول الذاكرة إلى وقود سياسي وعاطفي يغذي أجيالًا جديدة. وهنا تكمن معضلة إسرائيل الكبرى: هي تنتصر تكتيكيًا أحيانًا، لكنها تفشل في إنهاء البيئة التي تنتج الخصوم.
لهذا تبدو المنطقة اليوم أمام معادلة مرعبة: إسرائيل تمتلك قدرة هائلة على القتل، لكنها لا تمتلك حتى الآن وصفة حقيقية لإنهاء الحرب. والفلسطينيون، رغم الخسائر والدمار والاغتيالات، ما يزالون قادرين على إعادة إنتاج الفكرة نفسها بأسماء ووجوه جديدة.
في النهاية، قد تنجح إسرائيل في اغتيال قائد، أو مجموعة قادة، أو حتى جيل كامل من القيادات، لكنها تصطدم كل مرة بالحقيقة نفسها: الأفكار لا تُدفن بسهولة، والذاكرة لا تُغتال، والقضية التي تبقى بلا حل تعود دائمًا بأشكال أكثر قسوة من كل ما سبق.



