ذيول الذاكرة عن حكايا لم تبدأ بعد!
أيمن يوسف أبولبن
نعرف جميعاً ذلك النوع من التعب الذي لا نجد له سبباً واضحاً. لم نحمل شيئاً ثقيلاً، ولم نقضِ اليوم في عمل شاق، ومع ذلك نشعر في المساء كأن عقولنا استُنزفت. غالباً لا يكون السبب في ما فعلناه، بل في “ما لم نفعله”، بالأحرى في ما بقي مُعلقاً: قرارٌ مؤجل، موعد نتهرب منه، أو فكرة تعود إلينا كلما حاولنا نسيانها.
من هنا تبدو نظرية “تأثير زيغارنيك” وحكاية النادل في المقهى أكثر قرباً مما نظن؛ لأنها تشرح ببساطة لماذا تظل ذيول الذاكرة تلاحقنا وتثقل كاهلنا دون أن نولي لها إهتماماً.
في بداية القرن الماضي وتحديدا في عام 1927 لاحظت بلوما زيغارنيك) عالمة نفس سوفياتية( أمراً بسيطاً في أحد المقاهي التي ترتادها، لكنه كان لافتاً. كان النادل يتذكر طلبات الزبائن بدقة ما دامت الطاولة لم تدفع الحساب بعد. يعرف من طلب القهوة، ومن طلب الحلوى، ومن ينتظر طبقه. لكنه بعد الدفع بدقائق كان ينسى التفاصيل كأنها لم تكن.
لم يكن في الأمر نقص في الذكاء أو ضمور في العقل؛ هو أبسط من ذلك: كان العقل يحتفظ بما يحتاج إلى متابعة، ثم يتخلى عنه عندما تنتهي المهمة. من هذه الملاحظة العابرة خرج سؤال مهم: لماذا تبقى الأشياء غير المكتملة عالقة في أذهاننا أكثر من الأشياء التي أنجزناها؟
لاحقاً، اختبرت زيغارنيك هذه الملاحظة عبر تجارب ودراسات واستخلصت ذات النتائج، العقل يظل متنبهاً طالما كان هناك بقية من الأفكار لم تجد لها مشهدا للختام. هذه الفكرة عُرفت لاحقاً باسم «تأثير زيغارنيك». وخلاصتها أن العقل لا يغلق التعامل مع الأشياء غير المكتملة، بل يتركها في الخلفية كأنها تنتظر دورها. قد لا نفكر فيها طوال الوقت بشكل مباشر، لكنها تبقى حاضرة: رسالة مؤجلة، وعدٌ لم ننفذه، قرار نؤجل حسمه، أو خوف لا نعرف كيف نكتب له سيناريو الهروب أو المواجهة. ومع الوقت تتحول هذه الأشياء الصغيرة إلى ضجيج داخلي يصعب إسكاته.
لهذا تبدو عبارة ” أنا مُنهك I feel drained” مألوفة. فالإنسان لا يتعب فقط مما يفعله، بل مما يظل ينتظره. يتعب من مكالمة عتاب يعرف أنه يؤجلها، ومن قائمة صغيرة تكبر كلما تجاهلها. نحن لا نحمل هموم ما أنجزناه في يومنا فقط، بل بما تركناه معلقاً أيضاً.
المشكلة الأكبر أن العصر الحديث صمّم نفسه على البدايات التي لا تنتهي، الإشعارات الذكية أو “الغبية” التي لا تنتهي، البريد الإلكتروني الذي يطاردنا في كل مكان، الرسائل تتقافز في انتظار الرد، الأخبار تتجدد قبل أن نفهم سابقتها، والعمل يلاحقنا خارج المكتب، أما العلاقات فقد أصبحت أسيرة عالم افتراضي، محكوم بنقاط زرقاء وعلامات انتظار صامت. لم يعد لدينا يوم ينتهي بوضوح، بل لدينا مشاغل حياة تتداخل مثل صفحات غير مرقمة، وكل صفحة تحمل في أسفلها عبارة “غير مكتمل!”
بل إن الحياة من حولنا. أصبحت مزدحمة، كل شيء مزدحم: صور، شاشات، وجبات سريعة، وسباق لا نعرف نهايته. نرى وجوهاً مبتسمة في الصور، لكننا لا نعرف ما الذي يحدث خارج الإطار. يبدو العالم أحياناً أكثر لمعاناً، لكنه ليس بالضرورة أكثر معنى.
ويزداد الوضع سوءاً في عالمنا العربي فهذه الملفات المفتوحة لا تخص الفرد وحده. هناك دائماً ما يتجاوز الرسائل المؤجلة ومواعيد العمل: هناك مشروع نهضة لم يكتمل، عدالة لم تتحقق، حلم عودة في الانتظار، وكرامة تبحث عن ذاتها!.
لذلك لا يكون التعب نفسياً فقط؛ إنه تعب اجتماعي وجمعي أيضاً، لأننا نحمل في داخلنا أخباراً وصوراً ووجوهاً لا نستطيع إغلاقها كما نغلق تطبيقاً على الهاتف.
على المستوى الشخصي، أجد أن أكثر ما يستنزف الإنسان ليس كثرة ما يفعل، بل كثرة ما يظل يحدّث نفسه أنه سيفعله. اعتذار لم نمتلك شجاعته، زيارة أجّلناها لأننا ظننا أن في الوقت متسع، حلم صغير وضعناه على الرف حتى صار الرف أكثر حضوراً من الحلم نفسه.
في داخلي، كما في داخل كثيرين، أرشيف كامل من الأشياء التي لم تُغلق: والحكايا التي لم تكتب لها النهاية، أو ربما لم تكتب لها البداية، لحظات عشنا من أجلها ولم تحن بعد، أصدقاء فرّقتهم الطرق، ونسخ قديمة منا ما زالت تسألنا بصمت إن كنا قد حاولنا بما يكفي!.
يلاحقني مشهد لا أنفك أتخيله،لطفل يقف خارج نافذة زجاجية لمطعم فاخر، ترتسم على محياه ابتسامة تمتزج فيها الغبطة بالحسرة؛ يراقب العالم في الداخل ببهجة، بينما الناس في الداخل عالقون في تفاصيل همومهم ومشاغلهم بحيث تحجبهم عن أن يستمتعوا باللحظة، وتحجبهم أيضاً عن رؤية الطفل.
ذاك الطفل هو فطرتنا البريئة، نسختنا القديمة التي ترى الحياة بعين الاندهاش، ونحن وسط الزحام أخذتنا التفاصيل، فنسينا كيف نتذوق لذة العيش!
ربما لهذا أعود كثيراً في كتاباتي، بوعي أو من غير وعي، إلى الفكرة نفسها بأسماء مختلفة: الإنسان لا يُهزم دفعة واحدة، بل يتآكل حين تبقى قضاياه الكبرى معلقة بلا جواب. الفلسطيني الذي يعيش على وعد العودة، المغترب الذي ينتظر ما يبرر نهاية المنفى، والمواطن العربي الذي ينتظر إصلاحاً لا يأتي.
ربما كان الدرس الأهم في حكاية زيغارنيك أن الذاكرة لا تحتفظ بكل شيء بالطريقة نفسها. ما انتهى ينسحب غالباً إلى الخلف، وما لم ينتهِ يظل يطلب انتباهنا. لذلك لا تأتي الراحة دائماً من نوم طويل أو عطلة قصيرة، بل أحياناً من لحظة نقرر فيها ما سننهيه، وما سنؤجله بوعي، وما لم يعد يستحق أن يبقى مفتوحاً في داخلنا، والأخير برأيي هو الأكثر أهمية والأكبر تأثيراً.
حين نصل آخر النهار قد لا يكفي أن نسأل: ماذا فعلت اليوم؟ ربما نحتاج أيضاً إلى سؤال آخر: ماذا تركت معلقاً؟ لأن العقل لا يرتاح لمجرد تجاهل ما ينتظره؛ إنه يرتاح حين يعرف ما أُغلق، وما أُجّل بوعي، وما لم يعد يستحق أن نحمله معنا.
وبين ما ننجزه وما نتعلم تركه، نستعيد شيئاً من طاقتنا، ونمنح يومنا فرصة أن ينتهي فعلاً، لا أن يبيت معنا مفتوحاً حتى صباح جديد.
أيمن يوسف أبولبن
كاتب ومُدوّن من الأردن
8/8/2026
هذا المحتوى ذيول الذاكرة عن حكايا لم تبدأ بعد! ظهر أولاً في سواليف.



