تحت الضوء
د. هاشم غرايبه
في كل يوم يتبدى لنا صدق مقولة أن الرأسمالية وحش شره لا يشبع، فهو يأكل كل ما حوله، حتى إذا لم يبق أحد أكل نفسه، والتي هي نقيض لمقولة “فوكوياما” الذي ينتمي الى المحافظين الجدد (المسيحية الصهيونية) حول نهاية التاريخ، وتنبؤه بأن الرأسمالية بعد هزيمتها للشيوعية باتت هي النظام الأمثل الذي على البشر انتهاجه.
في حقيقة الأمر، إن كانت الشيوعية فشلت بسبب اعتمادها على عقيدة زائغة مناقضة للعقيدة الإيمانية التي فطر عليها البشر، فالرأسمالية آيلة الى السقوط أيضا بسبب توحشها الناجم عن تعظيم قيم الهيمنة والاستيلاء على ما لدى الغير بلا حدود ولا ضوابط، فعقيدتها مستمدة من الفكرة الداروينية القائلة بأن البقاء للأقوى، لذلك فمبدؤها يجيز أكل القوي للأضعف.
في فيديو منشور لـ “مارك زوكربيرغ” مدير “ميتا” أحدى أكبر المؤسسات الأمريكية، يعتذر فيه الى موظفيه الثمانية آلاف الذين سوف يستغني عن خدماتهم هذا الشهر، لو كان السبب هو ضائقة مالية تعاني منها شركته لكان له العذر، لكن الأرقام المعلنة تنبئ بالعكس، فقد حققت الشركة نموا هذا العام بنسبة 33% وبإيرادات بلغت أكثر من 56 مليار، لكن السبب هو عدم الحاجة لهم بعد استخدام الذكاء الصناعي ليغني عن خدماتهم.
كما يصب في ذات الاتجاه تصريح “آندي جاسي” الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، الذي أعلن أن شركته ستكون حاجتها الى الموظفي في السنوات القادمة أقل بكثير.
وأما شركة “بلوك” التابعة لـ “جاك دورسي” التي كان مسماها “تويتر”، فقد أعلنت عن الاستغناء عن أربعة آلاف وظيفة بسبب استخدامات الذكاء الصناعي، كما أعلنت “لوفتهانزا” عن نيتها تخفيض أربعة آلاف وظيفة ادارية خلال السنوات الأربع القادمة، وفي السياق ذاته أعلن بنك “ستاندرد تشارتر” عن خطته لتخفيض سبعة آلاف وظيفة.
الأخطر في موضوع الذكاء الصناعي هو ما يسمى “Agentic AI” أي التوكيلي، فهذا مختلف عن “chat gpt” الذي يجيبك على ما تسأله ، فهو ليس مجرد مساعد يقترح، بل موظف إداري كفؤ لا يكل ولا يستريح ولا يأخذ أجازة ولا يطلب علاوة، فهو فريق عمل يقوم بكل المهام معا، فيحلل ويدرس ويناقش ويتخذ القرارات ويتواصل مع العملاء.
من هنا يظهر لنا كم هو القادم مرعب، فسوف يتعرض سوق العمل خلال السنوات القادمة الى زلزال مدمر، لأن البطالة لا تؤثر على من تعطلوا عن العمل اقتصاديا فقط، بل على من يعولونهم أيضا، مما يؤدي الى هزات ارتدادية اجتماعية عنيفة، تؤثر على الأمن الجتمعي بعمومه، وعلى التماسك المجتمعي وترابطه.
في هذا الصدد صدرت تحذيرات كثيرة من قبل المفكرين وذوي الاهتمامات، لكن الاحتكاريين الرأسماليين لا يلقون لها بالا، فقيم الرأسمالية التي نشأوا عليها لا هم لها غير تعظيم الربح وزيارة نمو الايرادات، ولا تقيم وزنا لاستقرار المجتمعات أو المحافظة على أمنها، ولا يوجد في قاموسها مفردات الإحسان الى الغير أو عمل الخير، ما يهمها من المجتمعات هو تعظيم قدرتها الاستهلاكية، لضمان رواج بضائعها ولتسويق مصنوعاتها.
أما أهم هذه التحذيرات فهي الصادرة عن مطوري الذكاء الصناعي ذاتهم، فيقول “داريو أمودي” الرئيس التنفيذي لشركة “anthropic” الرائدة في هذا المجال: “لقد آن للسياسيين التوقف عن تجميل ما يحدث، لأن الذكاء الصناعي سيمحو 50 % من الوظائف للمبتدئين حلال السنوات الخمس القادمة”.
وهنا نستذكر ادعاءات مبشري الرأسمالية ومريديها، من أن فتح الباب على مصراعيه للاحتكاريين الرأسماليين تحت مسمى خادع هو تشجيع الاستثمار، هو السبيل الأمثل لازدهار المجتمعات، كون مشاريعهم ستشغل الأيدي العاملة وستحرك عجلة الاقتصاد، لكن الحقيقة أن ما يقدمونه لهذه المجتمعات، هو بمثابة الأعلاف المحسنة التي تقدم للأبقار، فهي ليست لإسعادها، بل لزيادة انتاجها من الحليب، وبالتالي زيادة الربح من بيعه.
هكذا يتبين لنا عقم المناهج التي طورها البشر، سواء الشيوعية أو الرأسمالية، بزعمهم أنها الأمثل لتلبية احتياجات البشرية وتحقيق العدالة الاجتماعية وكفايتهم، فكلاهما لا يراعيان القيم الانسانية، والتي لا يحققها غير منهج محايد لا يخضع للأهواء والرغبات الفردية، ولا لمصالح الفئة المترفة، ولا يحقق ذلك غير منهج الله، لأن من خلق البشر هو الأعلم باحتياجاتهم، والأحكم في اختيار ما يلبي مصالحهم.



-8.jpg?width=1200&auto=webp&trim=109%2C326%2C100%2C391)
