... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
119845 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9638 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

ذاكرة الحرب: الكتابة فيما بعد

العالم
المدى
2026/04/06 - 21:02 501 مشاهدة

زهير الجزائري

2-2
الطبيعة والحرب
المكان الذي تهزه الحرب هو الطبيعةَ البكر. وجد هذا المقاتل المديني نفسه في وسطها، مكان غريب عليه مثل رواية دينو بوزاتي (صحراء التتار). في روايةّ (فلاح رحيم) هي صحراء مقفرة وبانتظار عدو غير معروف. المكان في الجزء العسكري من الرواية هو معسكر وسط صحراء على امتداد الأفق وحياة عسكرية بانتظار عدو غير مرئي و لن يأتي. الحراسات رمزية في "صحراء شاسعة خالية منكشفة لا تسمح لأحد بالاقتراب منه متسللاً...الصحراء المنبسطة الجرداء تحتمي بانكشافها." والموقع الذي تجري فيه الرواية لم يكن مستهدفاً من أحد، كان هامشاً بعيداً عن اهتمام الجميع في المدن الآهلة.
في شهادة عبد (الزهرة زكي) تحت عنوان (أقيم هنا وأحيا هناك) هي صحراء لا يعرف اسمها وجد نفسه فيها بلا اتجاه . (علي بدر) في روايته (ملوك الرمال) يرسم المشهد الذي ستبدأ منه المهمة الخاصة قبيل حرب الخليج الثانية" عدة ثكنات للجنود، كثبان رملية، مبان عسكرية و أسلاكّ شائكةّ. سيارات الجيش تعبر الهضاب العالية فتثير زوبعة من الغبار، وعند المعسكر المشيد بالطين والطابوق كانت هناك أرتال من المدرعات التي وقفت وقد طغت عليها رائحةّ النباتات، وعند حافة الساحة جلس جندي لينظف سلاحه وأمامه الرمل والتراب يأكلان ما تبقى ما كان يوماّ إمبراطورية إسلامية". المشاهد تعكس وحشةّ شخص وحيد يراقب وحشة الصحراء. ترقب العدو الذي قد لا يأتي يهيمن على المشاهد. (جنان جاسم حلاوي) وحده اختار مدينته البصرةّ مسرحاّ للحرب، لكن معالم المدينةّ اختفت باختفاء ناسها فصارت موحشة تجوبها الكلاب الضالةّ. المكان غريب ومعاد، لكن أين يلبد العدو، من هو العدو و متى يهجم.؟ الخوف يجعل كل هذه الأسئلةّ بلا أجوبة.، لذلكّ يبدو الكاتب وحيداّ في زحمة الموقع، يكتب انطباعات عن الموت الوشيك، مخاوفه أو اعتياده على جو الخطر، واذا اتسعت ذاكرته قليلاّ ستشمل رفاقه في الموقع.
بعد كل هذه السنوات بين الحرب وتذكرها لا يبدو السرد هنا توضيحاّ لما حدث فعلاّ. الطريقة التي يتذكر بها الراوي تعكس الحاضر، كيف يرى الكاتب بعد كل هذه السنوات الحرب التي شارك فيها قبل عشرين عاماّ، ماذا يتذكر منها، وكيف يحكم على نفسه حين كان هناك وهو هنا، بعد الحرب. اليوميات تصف الأفعال خلال القتال وبعده. لا ضرورةّ لنقل الحدث كما هو. ينتخب كل شاهد حكايته من بين حكايات كثيرة. عبد الزهرة اختار ضابطاّ فقد خلال المعركة القدرة على الكلام واختار أحمد مشتت الإختباء في مكب نفايات. بعد اختيار الحدث يختار الكاتب النبرة. أحمد مشتت اختار الكوميديا السوداء للحديث عن أكثر اللحظات قسوة عليه. عبد الزهرةّ اختار الصمت، به يبدأ شهادته. يأتي المعنى والقصد لاحقاّ. وهو في الغالب يعكس بشاعة الحرب. النبرة الوطنية اختفت وراء البشاعة. الفهم يأتي متأخراً وعلى المخيلة أن تنتظر الذاكرة لتكشف عن نفسها.
عبد الزهره زكي في شهادته تحت عنوان (أقيم هنا وأحيا هناك) يحدد انشغالين خلال الحرب. الأول هو (المواجهة الإنسانية المباشرة مع الحدث) التي تتضمن ارتباك الذات وهي تتحرى عن إمكانيات بقائها و تحررها، ولو بشكل مؤقت ومحدود فتتعطل كل إمكانيات التعبير والتفكير والتأمل الوجداني لأن الذاكرةً حيث تنصرف لكل ما هو عملي و مباشر، لتترك بموجبه كل قدرات المرء من أجل أن تشتغل بطريقة عملية على مواجهة الخطر المباشر المهدد للحياة والحرية). الانشغال الثاني هو انشغال الكتابة الحقيقية التي تستدعيها الحاجة حين تتوفر الظروف، ولو بشكل محدود. في هذه اللحظة تبدأ بالنسبة للشاعر والكاتب، ظروف الانشغال الثاني الكتابة بمخاطرها الأخرى التي تختلف عن الخطر المباشر كالموت في الحرب أو الإصابة والعوق… في الانشغال الثاني تظهر بوضوح الرؤية الشعرية والفكرية التي يرى الشاعر بموجبها العمق الروحي للحرب. في الحالتين الذاكرة هي التي تحدد الفعل، في الحالة الأولى تعمل الذاكرة الاستعمالية الكامنة وراء كل فعل إنساني من وضع المفتاح في الباب حتى افعال الهجوم و الدفاع في الحروب. وفي الانشغال الثاني تعمل الذاكرة التأملية التي تستعيد الأفعال وتعطيها معانيها في لحظات الهدنة. عند عبد الزهره تتجاور الذاكرتان مكانياّ و تنفصلان زمانياً، بتجربتي الخاصةً تختلط الذاكرتان زمانياّ و مكانياّ و بخطّ متعرج. كنت اكتب يوميات الحرب في لبنان حين سمعت انفجار بعيد فكتبت ( انفجار بعيد! لم اسمعه إنما تسرب إليّ من الأرض بشكل موجة سرت من عظام جسدي وتسربت إلى وعيي مثل موجة خفية)! إثنين من الذي تناولت شهاداتهم كتبوا يوميات وأخفوها. الكتابة اللاحقة لا تشبه كتابة اليوميات في الحقل. من الصعب بعد كل سنوات النضوج اللاحقه أن أتماهى مع ذاك الشخص الذي كنته وأنا هناك في بدلتي العسكرية، لقد تلاشى الآن ، وأنا اكتب عما فات، أن أرسم ذات لحظة الهلع وأنا أسمع صفير القذيفة القادمة من الطرف الآخر، لكن الكتابة اللاحقة لها ميزتها و قد تحررت من مخاوف لحظتها وقد أضيفت لها حكمة الحاضر بعد أن عرفنا النهايات.
كاتب الحرب
شروط كاتب الحرب تنطبق تماماً على (فلاح رحيم). هذه الشروط حددها (صموئيل هاينز) في كتابه "حكاية الجند" (ترجمة فلاح رحيم) "ما يناسب مذكرات الحرب أن يكون الكاتب في وسطها، وثيق الصلة بأحداثها، لكنه بعيد الصِّلة عن قيمها، غريباً عنها، شاهداً عليها إلى جانب كونه جندياً فيها، يحس بالحرب لكنه لا يحبها". في الخندق وبانتظار الموت الذي يأتي صدفة عبثية، وحيث شظايا القذائف تشق الهواء والفضاء المفتوح فوقه، يسجل فلاح يوميات الحرب كوسيلة لاستعادة المبادرة لفعل شيء يتحدى به استهانة الحروب بوجوده الفردي. الخيال في رواياته شحيح. في الواقع الذي عاشه ما يكفي من اللامعقولية. المصالحة بين المخيلة والذاكرة تحدث على أرض الواقع. فقد كتب ما عاشه وما رآه فعلاً كسيرة شخصية. ما يحتاجه الروائي هنا ملاحظة دقيقةً بدلاً من المخيلة. أن يلتقط اللحظة الأكثر دلالة، والحياة في جبهات الحرب كريمة بمثل هذه اللحظات: تكفي مثلا صورة السجين والسجان في قيد واحد، تكفي حالة التأهب بدون عدو، أو بعدو لن يأتي، ابتذالات الحياة اليومية وسط الشظايا التي تبحث عن اللحم الآدمي.
في روايتيه (حبات الرمل...حبات المطر) و (صوت الطبول من بعيد). يعكس، كمدني وجد نفسه وسط الحرب، المفارقة الحادة بين الحياة المدنية والحياة العسكرية في بلد بلغ فيه التعارض بين الحياتين حد التناقض بين الموت والحياة. هذه المفارقة تقسم روايته (حبات الرمل..) إلى روايتين منفصلتين جمعتا في ٦٠٧ صفحات. الخيط الذي يربط تناقض العالمين هو قصة حب معاشة أو متذكرة من وراء المتاريس. للحياتين إيقاع زمني متقارب.. إيقاع الحياة المدنية بطيء، زمن انتظار وتأجيل.
لا يتوقف فلاح ليشرح لنا دوافع هذه الحرب واستراتيجياتها. الحرب قائمة مثل القدر والراوي منقذف وسطها دون إرادة. الشخصيات التي تصنع الحرب وتديرها غائبة. ليست هناك غرفة عمليات وخرائط ولا شخصيات مثل نابليون أو كوتوزوف كما في "الحرب والسلام" لتولستوي. الراوي (سليم) يرى الحرب من خلال الأفعال الصغيرة، وحتى المبتذلة للأفراد الذين يقع عليهم عبء الحرب. مشاركين في القتل و ضحايا له في نفس الوقت. عشرات الشخصيات العابرة، تظهر مع الحدث ثم تختفي لتنبثق مع حدث آخر.. جنود وضباط صغار تنكشف شخصياتهم في مجاورة الموت: الذي يحلم بشراء سيارة جديدة، والذي لم تسعفه إجازته القصيرة ليرتوي جنساً من زوجته الجديدة، والمراسل المنافق الواشي عند الآمر، نائب الضابط الذي لا يغادر مخبأه...التراتبية العسكرية الصارمة لا تخفي عن فلاح الوقائع التي تكشف جوهر الأفراد في هذه الأمكنة الجهنمية. الشخصيات لا تنكشف في صمتها وسكونها من خلال مونولوغها الداخلي، إنما تنكشف من أقوالها والأكثر من أفعالها وهي في خضم الحدث. الحياة المعاشة لكاتب هذه الرواية، على خيباتها، تعاش في النهاية لأنها تخضع بدقائقها لاختبار الروائي وتسجل بتفاصيلها. التوثيق اليومي للتجربة يحتل الجزء الأكبر من الرواية. بدون التوثيق تتحول الحرب لفاجعة صماء لا تعني إلا للامعنى. تستعاد روائياً بوصفها تجربة لها صلة بالذاكرتين الجماعية والفردية. السرد اليومي بصيغة المفرد، لكنه يشمل الجنود حوله بصيغة الجمع "هل يوجد في رعيل المقر الصغير اثنان متفاهمان دون شائبة؟ أشعر بألم وأنا أجيب بالنفي القاطع..." عيون الكاتب ووعيه يتجولان في الموقع لرصد الحركات والخروج بأحكام.
في روايته (صوت الطبول..) تتناوب ذاكرتان: ذاكرة تتصل بالتجربة المدنية في البيت و مع أصدقاء الجامعة والمقهى و علاقته مع عمله و بالمركز منها علاقته مع البولونية بيانكا، وهي ذاكرة تسترجع الأحداث بعد وقوعها وتتصل بزمن الكتابة بوعي مفارق ومن زمن حالي يستشرف أحداثاً وقعت في زمان سابق. تجري الحركة الروائية في الحياة المدنية وفق زمن انسيابي يسير مع تتالي الأمكنة من الثكنة الى محطة الوصول و منها بالسيارة إلى مدخل الزقاق متتبعاً تسلسل الأمكنة وصولاً إلى البيت. ذاكرة أخرى تتصل بتجربته في الخطوط الأمامية. الفجوة بين الحدث وروايته تقلصت لأن الكاتب يروى الأحداث يوماً بيوم، وأحياناً في لحظة الكتابة "أنا أجلس الآن في نفس الحفرة التي اخترتها منذ البداية." الجمل برقية قصيرة بدون استطرادات. والعين التي تشاهد مربكة تدور وتلتقط مشاهد لا على التعيين، والزمن مبعثر حيث نعرف حركة الجنود في النص قبل أن نعرف سقوط القذيفة. السرد هنا يوحي بتشظي الحياة في لحظات القصف العشوائي: "استيقظت في الحادية عشرة ليلاً على أصوات متداخلة وتراكض ... هرعنا جميعاً إلى بنادقنا تملأ آذاننا أصوات الاشتباك الصاخب بالأسلحة الرشاشة. كانت مدفعية الميدان وقتها خارج الحلبة! ارتدى عريف عبد خوذته وجاء ينقل خطوه بحذر كوميدي مبالغ فيه محدودب الظهر داعياً الجميع أن يفعلوا مثله." تمتزج المشاهد الجماعية والفردية، ويمتزج المشهد بالانطباع بعجالة دون حاجة لتفسير.
يهدأ الزمن ويتمدد حين ينفصل عن الأحداث "أتذكر أنني رأيت في أول يوم أصل فيه الجبهة وأسمع صوت القصف أمراً أثار دهشتي...." ها هنا، في انفصال الذاكرة زمانياً عن التجربة تدخل حكمة الكاتب و أحكامه حين يطغى التأمل على فوضى التجربة وحرارتها.
الملل بدل البطولة
الحرب كما يصفها كلاوفتس تدفع الطاقة الإنسانية حتى أقصى حدودها. فلاح، من معايشته الخاصة و من إنكاره شرعيتها، يثبت العكس فيرينا في روايته "صوت الطبول.." رتابة الحياة على حافة الموت. لا عجب أن يبدأ فلاح روايته الأخيرة من نهاية الاندفاعة الأولى في الحرب العراقية-الإيرانية. يبدأ من حالة الانكفاء والدفاع السلبي والتراجع فيفنّد أيةّ أسطرة رمزية للحرب. ليست هناك حركات جماعية للجنود حوله. ليس هناك فرد يفقد ذاته ضمن الجمع المندفع، وليس هناك صراخ عصابي (هجوم!) ليست هناك فكرة أيديولوجية مقنعة تبرر قبول الحرب والثمن الفادح.
الفعاليات القتالية خلال الهجوم والهجوم المضاد من جانبه غائبة كلياً والتركيز على ردود الفعل السلبية على فعالية العدو من خلال القصف البعيد: الكل في حالة كمون إزاء قصف معادي، ولا بطولات، البطولة، إذا سميناها، تكمن في اعتياد الموت: "الجنود يصوبون حجارة إلى كعب زمزمية، وقد حفزهم رهان الفوز ببعض النقود. ظلوا منهمكين في لعبتهم بينما القصف يشتد حول موقع البطرية." هل هم شجعان؟ يسأل فلاح، ثم يجيب نافياً "الدافع إلى فعلهم ذاك معايشتهم الخوف مدة طويلة". يسخر فلاح من الكليشيهات الصحفية التي تريد أن تربط الشجاعة بعمق الإيمان بالقضية التي من أجلها يحارب الجندي: "لكن من يعش في الجبهة كنفر ضائع، لا صحفي موفد لتسجيل انطباعات سريعة، يدرك كذب هذا التفسير.»
فصل من كتاب عن الذاكرة العراقية المجروحة

The post ذاكرة الحرب: الكتابة فيما بعد appeared first on جريدة المدى.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤