... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
156995 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7894 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

سؤال الحرية في رواية "شجرة الصابون" لنجوى بن شتوان

العالم
مجلة المجلة
2026/04/12 - 08:41 501 مشاهدة
سؤال الحرية في رواية "شجرة الصابون" لنجوى بن شتوان layout Sun, 04/12/2026 - 09:41

يتشكل المشروع الروائي للكاتبة الليبية نجوى بن شتوان عبر الاشتغال على الذاكرة الاجتماعية، وعلى الأسئلة المتصلة بالهوية والهامش والسلطة الرمزية داخل المجتمع. انطلقت تجربتها من كتابة القصة القصيرة، ثم اتجهت إلى الرواية بوصفها فضاء أوسع يسمح بتعقب التحولات العميقة التي تصيب الأفراد والجماعات في سياقات سياسية وثقافية متبدلة.

في روايتها الجديدة "شجرة الصابون"، الصادرة عن "دار عرب" في لندن (2026)، تفتح الكاتبة الليبية نجوى بن شتوان بابا سرديا يقود إلى عالم يبدو متماسكا بقدر كبير من النظام والهدوء، حيث تظهر الدولة بمظهر الحارس الأمين للحريات، وتبدو الحياة اليومية محاطة بخطاب ديمقراطي يفيض بالمشاركة والانفتاح، حيث المواطن مدعو إلى التعبير، والسلطة حريصة على توفير كل الأدوات التي تتيح حضورا مدنيا واسعا في المجال العام.

تقيم الرواية، منذ الصفحات الأولى، مسافة خفية بين هذا الخطاب المعلن وبين التجربة المعيشة داخل النص، لتتحول تلك المسافة تدريجيا إلى منطقة توتر سردي تكشف عبرها الكاتبة طبيعة العالم الذي تصفه. تبدو الحرية هنا أشبه بمنتج مصقول بعناية، أو نظام إداري شديد الدقة يحدد إيقاع الحياة العامة، بحيث تتحول المشاركة إلى واجب اجتماعي يفرض حضوره عبر آليات دقيقة ومقنعة.

الرواية قصيرة نسبيا، إذ تقع في نحو ست وتسعين صفحة، غير أن هذا الحجم المكثف يحمل شبكة دلالية واسعة. إذ يتحرك النص بخفة بين الحكاية والتأمل والسخرية، ويخلق فضاء سرديا تتجاور فيه التفاصيل اليومية مع أسئلة عميقة حول معنى الحرية، وطبيعة المشاركة السياسية، وحدود العلاقة بين الفرد والمنظومة التي تدير الحياة العامة.

هندسة النظام المثالي

تدور أحداث الرواية داخل مجتمع يبدو في ظاهره شديد التوازن، حيث تعمل الدولة على تشجيع المواطنين على المشاركة في المجال العام، وتحرص على حضورهم المستمر في التظاهرات والنقاشات والأنشطة المدنية التي تمثل صورة مكتملة للديمقراطية. يتحرك الراوي بين هذه الفعاليات التي تنظم بعناية، فيجد نفسه وسط فضاء اجتماعي يمتلئ بالشعارات والحوارات والاحتجاجات التي تجري في إيقاع منتظم. ومع مرور الوقت يبدأ في ملاحظة تحولات دقيقة في طريقة تفاعل الناس مع هذا الواقع. فالحضور يتحول إلى معيار للاندماج، والهتاف يصبح علامة على الانتماء الجماعي. تتقدم الأحداث عبر مشاهد قصيرة تضيء تفاصيل الحياة المدنية، بينما تتراكم الأسئلة حول معنى الحرية عندما تتحول المشاركة إلى سلوك متوقع داخل مجتمع يتقن تنظيم كل شيء.

تفكيك الخطاب الاجتماعي
10 أبريل , 2026

يتحرك النص بخفة بين الحكاية والتأمل والسخرية، ويخلق فضاء سرديا تتجاور فيه التفاصيل اليومية مع أسئلة عميقة حول معنى الحرية

يقوم العالم الذي تصوغه الرواية على فكرة التنظيم الشامل، حيث يسير كل شيء وفق إيقاع محسوب بدقة: التظاهرات والنقاشات العامة وحضور المواطنين وحتى طريقة التعبير عن الرأي. تشجع الدولة المشاركة، وتشدد على أهمية الحضور في الفضاء العام، بحيث يصبح الغياب علامة تثير الانتباه.

يتحول المجال العام في هذا السياق إلى مسرح منظم بعناية، يشارك المواطنون في الاحتجاجات ويرفعون الشعارات ويتبادلون النقاشات، غير أن هذه المشاركة تتم داخل إطار محدد يضمن استمرار النظام العام. يتحول الحضور الجماهيري هنا إلى طقس مدني منظم، أشبه بتمرين جماعي على ممارسة الحرية.

تستخدم الكاتبة لغة هادئة ومقتصدة في تصوير هذا العالم، وهو اختيار أسلوبي ينسجم مع طبيعة المجتمع الموصوف. يتواصل السرد بخطوات محسوبة، وتميل الجمل إلى الإيجاز الذي يخفي خلفه طبقات من الدلالة. هذا الاقتصاد اللغوي يمنح النص كثافة فكرية، ويجعل كل تفصيل صغير يحمل وظيفة رمزية داخل البنية العامة للرواية.

في هذا السياق يظهر المواطن كشخصية تتحرك داخل شبكة من التعليمات غير المرئية. التعليمات هنا لا تأتي في صورة أوامر صريحة، وإنما في هيئة توقعات اجتماعية عامة. المجتمع كله يبدو كأنه يراقب نفسه بنفسه، بحيث تتحول المشاركة إلى معيار للانتماء.

يتمثل أحد أهم محاور الرواية في التحول الذي يصيب اللغة داخل هذا المجتمع المنظم. الكلمات التي تستخدم في الخطاب العام تبدو مألوفة: حرية، مشاركة، ديمقراطية. غير أن الرواية تكشف تدريجيا أن هذه الكلمات تتحول إلى أدوات تنظيمية أكثر من كونها مفاهيم فكرية. تعمل اللغة هنا بوصفها نظاما لضبط السلوك، بينما يصبح التعبير عن الرأي جزءا من أداء اجتماعي متوقع، وتتحول المشاركة في النقاشات العامة إلى واجب مدني يحدد موقع الفرد داخل المجتمع.

تظهر هذه الفكرة بوضوح في أحد المقاطع التي تصف تجربة الراوي داخل إحدى التظاهرات، إذ يتحول الهتاف إلى معيار للاندماج في الجماعة: "طلب مني رجل منذهل من عدم هتافي في المظاهرة أن أهتف فعلا لا ادعاء وتمثيلا.

- اهتف، اهتف، ليس مسموحا بالصمت في المظاهرات كما لو أنك في جنازة!".

في هذا المشهد البسيط تتكثف فكرة الرواية الأساس: المشاركة تتحول إلى واجب أدائي. الشخص الذي يكتفي بالمشاهدة يثير الريبة، بينما يصبح الهتاف علامة على الانتماء إلى الجماعة.

السخرية أداة تحليل وكشف

تعمل السخرية في الرواية بوصفها أداة تحليل اجتماعي، إذ تعتمد الكاتبة على مفارقات دقيقة تكشف التوتر بين الخطاب الرسمي وتجربة الأفراد. يظهر هذا التوتر في التفاصيل الصغيرة، مثل نظرات الناس في التظاهرات والأسئلة التي توجه إلى من يختار الصمت، أو حتى طريقة تنظيم الاحتجاجات. يتجنب السرد التصريح المباشر، ويترك التفاصيل تتحدث بنفسها، بينما تتحرك الشخصيات داخل فضاء يبدو طبيعيا في ظاهره، غير أنه يحمل قدرا كبيرا من الغرابة.

facebook
الروائية الليبية نجوى بن شتوان

تنجح الرواية في تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى مرآة تعكس بنية المجتمع بأكمله، وتكشف الأحداث الصغيرة التي يمر بها الراوي طبيعة النظام الذي يعيش فيه، إذ تتحول التظاهرات والنقاشات واللقاءات الاجتماعية وحتى الحكايات الشخصية إلى إشارات تكشف طبيعة العلاقة بين الفرد والسلطة، بحيث يحمل كل تفصيل معنى يتجاوز حجمه الظاهر.

تعمل اللغة بوصفها نظاما لضبط السلوك، بينما يصبح التعبير عن الرأي جزءا من أداء اجتماعي متوقع

في أحد المقاطع يصف الراوي مفارقة طريفة تتعلق بالأسماء والعلاقات الشخصية، يكشف قدرة الكاتبة على استخدام التفاصيل الحميمة بوصفها مدخلا إلى تأمل أوسع: "لا أخشى من كشف الببغاء عن اسم عشيقتي بلغته النقرية، فاسمها هو اسم زوجتي نفسه ولا خشية من هذه الناحية. مفاجأة كبيرة لمن سيعرف أن في حياتي امرأتين بالاسم نفسه!".

يفتح هذا التفصيل الصغير مساحة تأمل حول الهوية والازدواجية؛ تعيش الشخصيات في الرواية داخل طبقات متعددة من العلاقات والتمثيلات، وهو ما يعكس الطبيعة المركبة للمجتمع الذي تصوره الكاتبة.

facebook
نجوى بن شتوان

يحمل عنوان الرواية دلالة رمزية واضحة، فشجرة الصابون في الذاكرة الثقافية ترتبط بفكرة التنقية والغسل، يوحي اختيار هذا العنوان بعالم يسعى إلى تنظيف ذاته باستمرار وإزالة كل ما يهدد صفاءه الظاهري. غير أن هذا التطهير المستمر يطرح سؤالا حول ما يحدث للأشياء التي يجري التخلص منها: هل تختفي فعلا، أم تتحول إلى طبقات خفية داخل الذاكرة الجماعية؟

كما يفتح العنوان أفقا تأويليا يتعلق بطبيعة المجتمع الذي تصوره الرواية. فالصابون مادة تستخدم لإزالة الأوساخ، غير أن الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى محو الآثار الطبيعية للحياة، بهذا تصبح الشجرة رمزا لمجتمع يسعى إلى تنظيم ذاته بدرجة مفرطة.

بين السخرية والتأمل

تعتمد الرواية على بنية سردية مكثفة، بينما تتقدم الأحداث عبر مقاطع قصيرة تحمل طابعا تأمليا واضحا، مما يمنح النص إيقاعا خاصا يجمع بين الحكاية والفكرة.

يظهر الاقتصاد الحكائي أيضا في طريقة بناء الشخصيات، إذ تكتفي الرواية بإشارات سريعة تكشف ملامح الشخصيات دون توسع في الوصف، وهو ما ينسجم مع طبيعة النص الذي يركز على الأفكار أكثر من تركيزه على الحبكة التقليدية.

يحضر الراوي غالبا بوصفه مركز التجربة الحكائية، فيما يظهر معظم الأبطال عبر أدوارهم ووظائفهم داخل العالم السردي أكثر من حضورهم بأسماء واضحة. فالراوي الذي يتحدث بضمير المتكلم، لا يظهر اسمه، ويبدو كاتب أو مراقب الحياة العامة في المدينة. يبدأ حضوره منذ حادثة الرجل الذي سقط في حفرة خلال تظاهرة، ومن هذه اللحظة يتحول إلى شاهد على مفارقات المجتمع الذي يعيش فيه.

يتمثل دوره في مراقبة ما يجري حوله وتحليل التناقضات الدقيقة بين خطاب الحرية الذي تروج له الدولة وبين الممارسات اليومية التي تحيط بالمواطنين، وتتكشف عبر نظرته الى تفاصيل النظام الاجتماعي وطريقة إدارة المشاركة السياسية.

يقوم بناء الشخصيات في الرواية على اقتصاد واضح في التسمية والتركيز على الوظيفة السردية. يمثل الراوي عين المراقبة والتأمل، وتمثل الزوجة الحياة الخاصة، ويشكل الرجل الساقط في الحفرة الشرارة الأولى للحكاية، بينما تجسد الشرطة النظام الإداري، وتعبر الجماهير عن المجتمع المنخرط في طقوس المشاركة العامة.

REUTERS/Anushree Fadnavis
كاميرات مراقبة مثبتة في مركز تجاري في نيودلهي، الهند، 21 مايو 2025

يقف سؤال الحرية، في عمق الرواية، بوصفه محورا فكريا أساسا، إذ يقترح النص رؤية معقدة لهذا المفهوم، تظهر الحرية فيه في شكل نظام اجتماعي منظم بعناية تامة. ما يؤدي إلى تنظيم مفارقة لافتة: كل شيء يبدو مفتوحا أمام المواطن، غير أن هذا الانفتاح ذاته يتحول إلى إطار يحدد كيفية التصرف، وتغدو الحرية مساحة محددة المعالم وأشبه بحديقة واسعة محاطة بأسوار غير مرئية.

تعكس الرواية التوتر المعاصر الذي يعيشه الإنسان في المجتمعات الحديثة، بين الخطاب الديمقراطي والأنظمة الاجتماعية التي تنظم ممارسة هذا الخطاب

تجمع "شجرة الصابون" بين السخرية والتأمل الاجتماعي، وتنحو في اتجاه بناء عالم يبدو مألوفا في ظاهره، غير أن هذا المألوف يحمل قدرا كبيرا من الأسئلة الفلسفية حول معنى الحرية وطبيعة المشاركة السياسية.

تعكس الرواية التوتر المعاصر الذي يعيشه الإنسان في المجتمعات الحديثة، بين الخطاب الديمقراطي والأنظمة الاجتماعية التي تنظم ممارسة هذا الخطاب.

12 أبريل , 2026
story cover
Off
Label
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤