المملكة ضيف شرف في معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
ناهد الأغا في التاسع والعشرين من مايو عام 2026، وتحت سماء كوالالمبور الموشّاة بالمطر الاستوائي، تحل المملكة العربية السعودية، ضيف شرف على معرض كوالالمبور الدولي للكتاب، الذي تمتد فعالياته حتى السابع من يونيو، في مركز التجارة العالمي بالعاصمة الماليزية، أرى العلمين يخفقان معاً، أسمع حفيف صفحات تُقلب بلغتين، أتأمل وجوه الزوار وهم يعبرون بوابة الجناح السعودي، فأدرك أن ما يحدث هنا يتجاوز فكرة المشاركة أو الاستضافة، ما يحدث، في عمقه الصامت، هو عرسٌ بين روحين طالما عرفتا بعضهما عبر التاريخ. بقيادة هيئة الأدب والنشر والترجمة، تلك الأيادي الأمينة التي أمسكت بزمام الحرف فأحسنت قيادته، وتوجته بالإبداع فألبسته تاج الفخر، وأطلقت أسئلته فأغنت المشهد الإنساني، أراها محاطة بنخبة من أبنائها: أدباء ينسجون من خيوط الروح حكايات تليق بمقام الإنسان، مثقفين يحملون مشاعل الفكر من نور وحرفيين تحولت أناملهم إلى ينابيع جمال، موسيقيين يستخرجون من صمت الآلات أسرار الوجود، مخرجين يرون بالكاميرا ما وراء المرئي، الجناح الوطني ينبض بالحرف واللون والصوت. يمنح الجناح السعودي الزائر تجربة ثقافية تفاعلية حيّة تُشرك الحواس والمشاعر معاً، الحرف اليدوية تُقدَّم بوصفها ذاكرة نابضة، فيما تكشف الأزياء السعودية عن تنوع الهوية وثرائها الثقافي، وتُضفي الموسيقى الشعبية والفنون الأدائية روحاً إنسانية تتجاوز اللغة، بينما تؤصل المخطوطات والمستنسخات الأثرية العمق الحضاري للمملكة، كما تقدم السينما السعودية صورة معاصرة لمجتمع يروي ذاته بثقة وإبداع، وبهذا التنوع، يرسم الجناح صورة لمملكة تجمع بين أصالة التراث وحداثة الرؤية ضمن نهضة ثقافية شاملة. لا يمكن قراءة هذه المشاركة بمعزل عن أهداف رؤية المملكة 2030، التي تنص على ترسيخ الثقافة بوصفها ركيزة أساسية من مكونات جودة الحياة، وأحد أهم أدوات التواصل الحضاري والمعرفي بين الشعوب، كما وتشكل الترجمة محوراً أساسياً في هذا البرنامج، فوجود الكتب السعودية المترجمة يجسد الفكرة الرؤيوية القائلة بإن الثقافة جسر بين الأمم، فالترجمة هنا فعل حضاري عميق، يُقرّب المسافات، وهذا ينسجم مع أهداف رؤية 2030 في جعل الثقافة السعودية منفتحة على العالم، وقادرة على التأثير فيه. فحين أُطلقت رؤية المملكة 2030، ركّزت الأنظار على المشاريع الكبرى، وعلى تنويع مصادر الدخل، وعلى المدن الذكية، لكن في صلب الرؤية، وفي أدق طبقاتها، كانت ثمة فكرة لامعة: أن الإنسان السعودي يستحق حياة أجمل، وأن جودة الحياة لا تُقاس بالدخل القومي وحده، بل تُقاس بمدى توفر الفن، والكتاب، والموسيقى، والجمال في متناول اليد الرؤية، وهي تحتفي بهذه الثقافة، تقول للعالم: هذه المملكة لا تُختزل في صورة واحدة، هذه المملكة غنية بألوانها، عميقة بأسئلتها، شابة بطموحها، عريقة بإرثها. وحكاية قوامها التنوع: تنوع الجغرافيا من صحراء النفود إلى جبال عسير، وتنوع التراث من السدو إلى الخط العربي، وتنوع الأصوات من الربابة إلى السامري وغيرها الكثير. مشاركة المملكة في المعارض العالمية، ومنها كوالالمبور، بما تحمله من كتب وأفلام وفنون أدائية ومخطوطات، هي دليل ملموس على أن الثقافة صارت جزءاً من النمو نفسه، وقطاعاً ينتج المعنى والفرح والعمل والانتماء في آنٍ واحد. والثقافة السعودية، في طورها الجديد الذي أطلقته رؤية 2030، تملك القدرة على الغوص في أعماق الذات، وتملك الشجاعة على الانفتاح على الآخر، وهذا الجمع النادر بين الأصالة والانفتاح، بين الجذور الضاربة في عمق التاريخ والأجنحة الممتدة نحو المستقبل، هو ما يجعل الثقافة السعودية المعاصرة ظاهرة تستحق التأمل، تمشي بقامتها المديدة، إلى كوالالمبور وإلى كل عاصمة تفتح ذراعيها للكتاب.



