الجزيرة التي تصل إليها روان لا تشبه في أي حال ملاذا فردوسيا. فهي تضم محطة أبحاث علمية وبنكا ضخما للبذور أنشئ لحفظ عينات من الكائنات الحية تحسبا لانهيار بيئي واسع النطاق. لكن العلماء غادروا المكان بعدما بات ارتفاع منسوب المياه يهدد بابتلاع الجزيرة في مستقبل قريب.
لم يبق في شيرواتر سوى دومينيك سالت، حارس المنارة، وأطفاله الثلاثة راف وفين وأورلي الذين أوكلت إليهم مهمة تهيئة جزء من هذه العينات تمهيدا لنقلها على متن سفينة يفترض أن تأتي لإجلائهم بعد ستة أسابيع. هذا الإطار الزمني المحدود، الأشبه بعد تنازلي، يضفي على السرد توترا خفيا متواصلا.
وصول روان إلى الجزيرة يربك فورا التوازن الهش لهذه العائلة، لكنه يمنح في الوقت نفسه كل فرد فيها شيئا يتشبث به. راف، الابن البالغ سبعة عشر عاما، يرزح تحت وطأة أول خيبة عاطفية في حياته، ولا يجد سلواه إلا في تفريغ غضبه على كيس الملاكمة، شقيقته فين، ذات السبعة عشر عاما أيضا، تمضي لياليها على الشاطئ بين الفقمات لسبب لن يتكشف إلا في القسم الأخير من الرواية.
شقيقهما أورلي، وهو طفل في سن التاسعة، لم يعرف حب أمه، لأنها توفيت أثناء ولادته. وقد حاول سد هذا النقص الأليم بهوس بعلم النبات، حتى أصبح الخوف من فقدان العالم الطبيعي الذي يعشقه هاجسا ثابتا لديه. أما الوالد دومينيك، فيبدو عاجزا عن الفكاك من أسر الماضي ومن الشعور بالفقد الذي دفعه إلى الانتقال مع أولاده إلى جزيرة شيرواتر.
حين يعلم دومينيك أن روان زوجة هانك، يخبرها بأن زوجها غادر مع بقية العلماء. لكن روان تشك في صدقه، بينما يتوجس هو من هذه المرأة التي ظهرت فجأة من العدم، والتي يصعب تصديق أن وصولها إلى جزيرة معزولة إلى هذا الحد مجرد مصادفة.
إخفاء وكشف
منذ تلك اللحظة، يبدأ البناء السردي للرواية في التشكل وفق حركة مزدوجة من الإخفاء والكشف، بينما تتناوب الفصول بين وجهات نظر متعددة، بصيغتي المتكلم والغائب، مما يسمح بالنفاذ إلى أعماق الشخصيات من زوايا مختلفة. ويمنح هذا التعدد الصوتي النص قدرا محسوبا من الغموض، ويتيح للكاتبة الحفاظ على توتر دائم من دون السقوط في فخ الافتعال.

قد يستحضر هذا البناء بعض عناصر روايات الإثارة النفسية الكلاسيكية: عزلة تامة، تخريب وسائل الاتصال، عاصفة دمرت جزءا كبيرا من موارد الطاقة، واستحالة التواصل مع العالم الخارجي. فقبل مغادرة العلماء، يقدم شخص مجهول على تدمير جميع أجهزة الإرسال في الجزيرة، الأمر الذي يترك أفراد عائلة سالت وروان مقطوعين عن العالم، في انتظار سفينة قد لا تصل أبدا. لكن الرواية تتجاوز بكثير آلية التشويق التقليدية.
فعلا، أبرز ما يلفت في "شاطئ بري معتم" هو الطريقة التي تنسج بها ماكوناغي العلاقة بين الخاص والعام، بين الجروح الشخصية والانهيار الكوني. فبنك البذور، المصمم لحماية التنوع البيولوجي العالمي، يعمل بوصفه استعارة للذاكرة والفقد. وحفظ عينات من الحياة يعني ضمنيا الاعتراف بأن البشرية لم تعد قادرة على حماية الأنظمة البيئية في كليتها، كما أن منطق الأرشفة والادخار من أجل مستقبل غامض يشي بنوع من القبول الضمني بالكارثة والرضوخ لها.











