سدود الحسكة.. ارتفاع التخزين يقابله عجز في التشغيل
عنب بلدي – الحسكة
شهدت محافظة الحسكة تحسنًا واضحًا في واقعها المائي، انعكس بشكل مباشر على مستويات التخزين في السدود والتجمعات المائية المنتشرة في عموم المنطقة.
التحسن، الذي جاء نتيجة هطولات مطرية وُصفت بالأفضل منذ سنوات، أعاد الأمل بإمكانية استعادة التوازن المائي ودعم القطاع الزراعي، الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
وفي ظل هذا الواقع، تتقاطع آراء الجهات المعنية بين التفاؤل الحذر بإمكانية تحقيق موسم زراعي واعد، والتحذير من تحديات فنية وتشغيلية لا تزال تعوق الاستفادة الكاملة من الموارد المائية المتاحة، ما يضع ملف إعادة تأهيل السدود في صدارة الأولويات.
واقع السدود والخلل التشغيلي
شهدت سدود الحسكة، الكبيرة منها أو التجميعية الصغيرة والمتوسطة المنتشرة في الأرياف، ارتفاعًا في مستويات المياه المخزنة، بحسب مدير الموارد المائية في الحسكة، عبد العزيز أمين.
وسجل مخزون السدود السطحية ارتفاعًا بنسبة 169% مقارنة بالعام الماضي، حيث بلغ إجمالي المياه المخزنة نحو 328.620 مليون متر مكعب، مقابل 121.974 مليون متر مكعب خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ويُظهر هذا الارتفاع تحسنًا لافتًا في الواردات المائية، خاصة في ظل سنوات سابقة شهدت تراجعًا حادًا في كميات الأمطار وانخفاضًا في مناسيب نهر الخابور، الذي يعد المصدر الأساسي لتغذية عدد من السدود في المنطقة.
ويتصدر سد الحسكة الجنوبي قائمة السدود من حيث حجم التخزين، إذ بلغت كمية المياه فيه نحو 257 مليون متر مكعب، مقارنة بـ87 مليون متر مكعب العام الماضي، ما يعكس زيادة تُقدّر بنحو 170 مليون متر مكعب.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، كشف أمين عن فجوة واضحة بين سلامة السدود من الناحية الإنشائية وقدرتها الفعلية على العمل بكفاءة.
وأوضح أن السد الجنوبي، وهو من أهم المنشآت المائية في المحافظة، لا يعاني من أي مشكلة فنية في جسم السد، ويُعد آمنًا وقادرًا على التخزين حتى الحد الأقصى، إلا أن مشكلته الأساسية تكمن في الجانب التشغيلي.
وأشار إلى أن البوابات القوسية في السد تعرضت للسرقة، بما في ذلك المحرك والبوابات الأمامية، وهي عناصر أساسية تُستخدم عادة خلال فصل الصيف لتصريف المياه نحو الأراضي الزراعية على جانبي نهر الخابور.
ونتيجة لذلك، أصبح من غير الممكن حاليًا استخدام هذه المياه لري المحاصيل، رغم توفرها بكميات كبيرة.
وفي محاولة لمعالجة هذا الخلل، بيّن أمين أن مديرية الموارد المائية أجرت تقييمًا فنيًا للأضرار، وأعدّت دراسة تقديرية لإعادة تأهيل البوابات، تم رفعها إلى الجهات المعنية للنظر في تأمين التمويل اللازم لإعادة تشغيلها.
كما تطرق إلى واقع محطتي الضخ (13 و15) المرتبطتين بالسد الجنوبي، واللتين كانتا تغذيان الحقلين الزراعيين (19 و21)، موضحًا أنهما تعرضتا للسرقة بالكامل، ولم يتبقَّ منهما سوى الهياكل الأسمنتية.
وأضاف أن المديرية أعدّت دراسة لإعادة تأهيلهما، ورفعتها ضمن استمارة رسمية إلى الوزارة، مع توقعات بإمكانية تمويل المشروع عبر صندوق مخصص للمنطقة الشرقية.
وبشأن السدين الشرقي والغربي، أوضح أمين أنهما لا يستقبلان واردًا مائيًا في الوقت الحالي، بعد توقف مصادر تغذيتهما، سواء من آبار رأس العين أو من مياه نهر الخابور القادمة من تركيا عبر منطقة تل حلف.
وذكر أن السد الشرقي يحتاج إلى إعادة تأهيل، إلا أنه خارج نطاق سيطرة الحكومة السورية، ما يجعل العمل فيه غير ممكن حاليًا.
أما السدود الأخرى في مناطق المالكية والجوادية والقحطانية، فأشار إلى أنها تحتاج إلى إعادة تقييم فني، خاصة تلك التي حُددت لها مستويات تخزين آمنة من قبل شركات دراسات مختصة، مثل سد باب الحديد وسد المنصورة، حيث لا يُسمح بتجاوز هذه المستويات نظرًا لحاجتها إلى أعمال ترميم.
وفي المقابل، أكد أن بقية السدود بحالة فنية “جيدة جدًا”، وقادرة على استيعاب المياه والفيضانات، مع اتخاذ إجراءات احترازية كفتح المآخذ والمفيضات لمنع تجاوز الحدود الآمنة.
هذا الواقع يعكس معادلة معقدة في قطاع المياه بالحسكة، حيث تتوفر الموارد الطبيعية نتيجة الأمطار، في مقابل تحديات تشغيلية ناتجة عن الأضرار والسرقات وخروج بعض المنشآت عن الخدمة.
موسم واعد بإنتاج وفير
انعكس التحسن في الواقع المائي بشكل مباشر على القطاع الزراعي في محافظة الحسكة، حيث أسهمت الهطولات المطرية المستمرة منذ كانون الثاني الماضي في تحسن نمو المحاصيل ورفع مؤشرات الإنتاج المتوقع.
مدير الزراعة في الحسكة، هايل الكلش، أوضح أن السدود امتلأت بنسب عالية، ما يعزز فرص الاستفادة من المياه في الري خلال الفترة المقبلة.
وأشار الكلش إلى أن الوضع الفني للسدود جيد بشكل عام، مع وجود حاجة لصيانة بعض المنشآت وإعادة تأهيل أخرى، مؤكدًا أنه لا توجد حاليًا مخاطر تهدد سلامة السدود، مع استمرار العمل على إعداد الدراسات الفنية اللازمة بالتنسيق مع الجهات المختصة.
على صعيد الواقع الزراعي، أظهرت المؤشرات تحسنًا واضحًا في مختلف المحاصيل، وفق الكلش، إذ وصل القمح المروي إلى مرحلة الاستطالة بنسبة 100%، في حين بلغ القمح البعلي نسبة 80% في طور الاستطالة و20% في طور الإشطاء.
كما سجل الشعير المروي نسبة 100% في طور الاستطالة، مقابل 85% للشعير البعلي، في حين بلغت نسبة المحاصيل في طور الإشطاء 15%. أما محصول العدس، سواء المروي أو البعلي، فهو في حالة جيدة بنسبة 100%، ووصل إلى مرحلة نهاية التفرع.
الكلش أكد أن هذه المؤشرات تعزز التوقعات بموسم زراعي مميز، قد يكون من الأفضل خلال السنوات الأخيرة، في حال استمرار الظروف المناخية الملائمة وعدم حدوث تقلبات مفاجئة.
أهمية استراتيجية وتحديات مستمرة
يرى الخبير الاقتصادي محمد فتاح، أن السدود والتجمعات المائية في محافظة الحسكة تمثل إحدى أهم ركائز الاستقرار المائي والزراعي، نظرًا إلى اعتماد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عليها في تأمين مياه الري.
وأشار فتاح إلى أن دور السدود لا يقتصر على تخزين المياه، بل يمتد ليشمل تغذية المياه الجوفية، وتنظيم الجريان السطحي، والحد من مخاطر الفيضانات الموسمية، ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في إدارة الموارد الطبيعية بالمنطقة.
وخلال الموسم الحالي، أسهمت الأمطار الغزيرة في تعزيز الجريان السطحي وتغذية الأحواض المائية، ما أدى إلى تحسن ملحوظ في مستويات التخزين، خاصة في السدود الصغيرة والمتوسطة، كما تحسن تدفق نهر الخابور في مناطق عدة من ريف الحسكة.
ويرى فتاح أن هذا التحسن يمثل فرصة حقيقية لإعادة التوازن المائي، لكنه يحذر في الوقت نفسه من الاعتماد على العوامل الطبيعية فقط، دون تطوير البنية التحتية وصيانة السدود بشكل دوري.
وأكد أن التحديات التشغيلية، مثل تلك التي يعاني منها السد الجنوبي ومحطات الضخ المرتبطة به، تُظهر أن إدارة الموارد المائية لا تقل أهمية عن توفرها، بل قد تكون العامل الحاسم في تحديد مدى الاستفادة منها.





