الصحوة – لم تطلب منها المال في البداية، بل جاءت إليها بالهدايا والبخور والزيوت والحديث عن الصحة وازدهار التجارة. ومع تكرار الزيارات، أصبحت أقرب إلى العائلة، وعرفت مزيدًا من التفاصيل عن حياتها ومشكلاتها ومخاوفها.
لاحقًا، ستتحول تلك المعلومات إلى أدوات في عملية احتيال استنزفت نحو 90% من مدخرات صاحبة مشروع تجاري، قبل أن تنكشف الخدعة وتصل القضية إلى المحكمة.
وتعود تفاصيل القضية، التي أوردها الادعاء العام في العدد (18) من مجلة «المجتمع والقانون»، إلى امرأة أطلق عليها المصدر اسم «هدى»، تبلغ من العمر 30 عامًا، قررت استثمار مهاراتها في صناعة البخور والزيوت العطرية وإعداد الأطعمة وتحويلها إلى مشروع تجاري.
نجح المشروع، ولاقت منتجاتها استحسان المستهلكين، وبدأت تحقق أرباحًا وتكتسب سمعة تجارية واسعة.
لكن في المجال نفسه كانت تعمل امرأة أخرى، ستصبح لاحقًا المتهمة في قضية احتيال على «هدى».
وبحسب تفاصيل القضية، دفعت الغيرة والمنافسة المتهمة إلى التخطيط للاستيلاء على أموال صاحبة المشروع، لكن الطريق إلى ذلك لم يبدأ بمواجهة مباشرة أو طلب مالي.
بدأ بالتقرب.
هدايا وزيارات متكررة
أخذت المتهمة تتردد إلى منزل «هدى»، وتقدم الهدايا لها ولوالدتها، وتظهر اهتمامها بصحتها ونجاح تجارتها، وفي الوقت نفسه تجمع معلومات شخصية عنها ستستخدمها لاحقًا.
ومع مرور الوقت، بدأت المتهمة تحكي لـ«هدى» عن مشكلاتها الأسرية الخاصة، مدعية أن أفراد أسرتها تسببوا في تعثرها وخسارتها التجارية ودخولها في أزمات مالية ومطالبات مدنية.
ومن هنا انتقل الحديث إلى «هدى» نفسها.
حذرتها المتهمة من أن تلقى المصير ذاته، وادعت امتلاكها معرفة بـ«العلوم الروحانية»، وأوهمتها بأنها محاطة بـ«هالة شيطانية» تهدد حياتها الأسرية واستقرارها النفسي ونجاح مشروعها، وأن البخور والتمائم يمكن أن توفر لها الحماية.
لم تقتنع «هدى» في البداية.
لكن مشكلة أسرية وقعت لاحقًا، وتزامنت مع انخفاض طفيف في مبيعات مشروعها، أعادتا إلى ذهنها ما كانت المتهمة تردده أمامها.
وهنا وجدت الأخيرة فرصتها.
اسمها بين «الطلاسم»
في صباح اليوم التالي، زارت المتهمة منزل «هدى»، ولاحظت سوء حالتها النفسية، فأخبرتها بأن «عزائم سحرية» عُقدت عليها في الليلة السابقة، وأن تمائم أُعدت للتفريق بينها وبين زوجها وتدمير مستقبلها وكساد تجارتها.
ولم تكتف بالكلام.
أخرجت قصاصات ورقية أعدتها بنفسها، تحمل اسم «هدى» إلى جانب مجموعة من الرموز والطلاسم، وقدمتها بوصفها دليلًا على ما تدعيه.
أثارت القصاصات خوف «هدى»، فلجأت إلى المتهمة وطلبت منها مساعدتها في التخلص مما اعتقدت أنه يهدد حياتها.
في البداية، قدمت لها المتهمة البخور والزيوت وبعض التمائم مجانًا، وطلبت منها استخدام البخور يوميًا وتعليق التمائم في غرفة نومها وإخفاء بعضها بين مقتنياتها الشخصية.
لكن المجاني لم يدم طويلًا.
صناعة الخوف.. ثم تحصيل المال
بدأت المتهمة، بحسب تفاصيل القضية، تشكك «هدى» في نوايا زوجها وأفراد أسرتها، وتوهمها بأنهم لا يريدون لها الخير، وأن حل مشكلاتها يتطلب مساعدتها والاستعانة بـ«معالج» قالت إنها تتعامل معه.
ومع اتساع الفجوة بين المجني عليها ومحيطها الأسري، بدأت الأموال تتدفق.
كانت «هدى» تدفع مبالغ متكررة للمتهمة؛ مرة لدفع ضرر مزعوم، وأخرى للمحافظة على استقرار أو حماية أوهمتها بأنها في حاجة إليها.
واستفادت المتهمة من المعلومات الشخصية التي سبق أن جمعتها عن «هدى»، ومن المخاوف والتفاصيل التي كانت الأخيرة تبوح بها، في تعزيز مزاعمها واستمرار عملية الاحتيال.
لكن الأمر لم يتوقف عند الطلاسم والتمائم.
فقد كشفت التحقيقات لاحقًا عن رسائل منسوبة إلى زبائن تتضمن انتقادات لمنتجات «هدى»، اتضح أن المتهمة كانت وراءها أيضًا، وهو ما أسهم في زيادة اعتماد المجني عليها عليها ولجوئها إليها بحثًا عن حلول للمشكلات التي كانت المتهمة نفسها تسهم في صناعتها.
واستمر ذلك حتى كشفت التحقيقات أن «هدى» حولت إلى المتهمة ما يقارب 90% من مدخراتها.
اختفت بعد استنزاف الأموال
بعد أن استنفدت ما تستطيع الحصول عليه من أموال، انقطعت المتهمة عن التواصل مع «هدى».
وفي تلك المرحلة، كانت المجني عليها قد أهملت تجارتها وابتعدت عن محيطها الاجتماعي.
ومع مرور الوقت، وتوقفها عن استخدام ما قدمته لها المتهمة، وعودتها تدريجيًا إلى أهلها وذويها، بدأت تدرك حقيقة ما حدث، وأن ما اعتقدت أنه مساعدة وحماية لم يكن سوى عملية احتيال استُخدمت فيها مخاوفها ومعلوماتها الشخصية للوصول إلى أموالها.
تقدمت «هدى» بشكوى، لتبدأ التحقيقات في كشف ما جرى.
القصاصات والرسائل تكشفان الخدعة
خلصت التحقيقات إلى استخدام المتهمة وسائل احتيالية مادية ومعنوية بقصد التغرير بالمجني عليها وإيقاعها في الغلط.
وكان من بين الأدلة القصاصات الورقية التي حملت اسم «هدى» والطلاسم والرموز المختلفة، إلى جانب الرسائل المنسوبة إلى زبائن والتي تضمنت انتقادات لمنتجاتها، وتبين أن المتهمة كانت تقف وراءها.
وبعد استكمال التحقيقات، أُحيلت المتهمة إلى المحكمة، التي قضت بإدانتها بجريمة الاحتيال ومعاقبتها بالسجن سنة واحدة وغرامة قدرها 200 ريال عُماني.
ولم تتوقف القضية عند العقوبة الجزائية؛ إذ قضت المحكمة مدنيًا بإلزامها بأداء قيمة المطالبة المدنية البالغة 88 ألف ريال عُماني.


