رسالة حب إلى مخترعي الظل...!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
محمد ناصر العطوان دعنا نتحدّث بصراحة يا عزيزي القارئ... لقد اختطفت الرأسمالية المتوحشة مصطلح «الابتكار»، وحوّلته من أداة لإنقاذ البشرية إلى ماكينة عملاقة لشفط جيوبها. انظر حولك في مؤتمرات التكنولوجيا المبهرة؛ ستجد شاباً يرتدي قميصاً أسود بسيطاً، يقف على مسرح مضاء ببراعة، ليعلن لك عن ابتكار «سيغير وجه البشرية»... وما هو هذا الابتكار العظيم؟ تطبيق ذكي على هاتفك يذكّرك بموعد شرب الماء! أو شوكة طعام إلكترونية تحسب لك عدد المضغات لكي لا تسمن! أو ربما ثلاجة تتحدث معك وتخبرك أن صلاحية الحليب قد انتهت! الرأسمالية لا تخترع حلولاً لمشاكلك الحقيقية، بل تخترع لك «مشاكل وهمية» وحاجات لم تكن موجودة أصلاً، ثم تبيعك العلاج بأسعار فلكية لتعزيز دورة الاستهلاك الجنونية. إنها ثقافة تستهدف الإنسان كـ «زبون» فقط، لا كـ «روح». لكن، وفي وسط هذا السيرك الاستهلاكي العبثي، هناك صنف آخر من البشر. صنف يعمل في الظل، بعيداً عن أغلفة مجلات المال والأعمال، وبعيداً عن أضواء البورصات وصفقات المليارات. هؤلاء هم «عباقرة الابتكار» الحقيقيون؛ أولئك الذين سخّروا عبقريتهم الهندسية والتقنية لتسهيل حياة البسطاء والفقراء والمهمشين الذين لا يملكون بطاقات ائتمانية تدفع اشتراكات التطبيقات الفارهة. دعني أقف إجلالاً واحتراماً لذلك المبتكر المجهول الذي اخترع فلتر مياه من مواد رخيصة جداً، لينقذ قرية أفريقية نائية من الموت بالكوليرا. وقُبلة على جبين ذلك الفريق الطبي الذي صمّم «حضّانة أطفال» من الورق المقوى والمواد العازلة للحرارة، لتدفئة الأطفال الخدج في مخيمات اللاجئين الباردة التي لا تصلها الكهرباء. وتحيّة شرف لأولئك الشباب الذين حولوا الزجاجات البلاستيكية المهملة إلى مصابيح شمسية، تضيء عتمة الصفيح في العشوائيات الفقيرة. هؤلاء العباقرة لم يحوّلوا عقولهم إلى ماكينات لجني الأرباح الصماء، بل أسّسوا في قلوبهم «مختبرات مجتمعية» حقيقية، كل تصاميمها ومخرجاتها تتمحور حول الإنسان وقيمته، لتصون كرامته قبل أن تملأ خزانته. لقد أدركوا بفطرتهم السليمة أن الابتكار الذي لا يمسح دمعة، أو يسد جوعاً، أو يخفف ألماً عن كاهل إنسان مطحون، هو مجرد رفاهية فارغة لا وزن لها في ميزان الإنسانية. إن «الإنسانيين» يترجمون أعظم فلسفة وجودية، وأنهم ليسوا هم حيتان «وول ستريت»، ولا رواد «وادي السيليكون»، بل هم أولئك المساكين الذين طحنتهم الأيام، وينتظرون رحمة السماء عبر عقول خيرة لم تتلوث بجشع السوق. إلى كل مبتكر، ومهندس، وطبيب، ومفكر، ومعلم... قرر أن يدير ظهره لغواية المال السريع، واختار أن يضع بوصلته نحو الإنسان الضعيف... نحن مدينون لكم باعتذار كبير لأننا لا نعرف أسماءكم، ولا نتابع أخباركم، لكننا نوقن تماماً أن أسماءكم محفورة بالذهب في سجلات النبل البشري، وفي صحائف السماء التي لا تضيع فيها مثقال ذرة من خير. وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.




