رمزي الغزوي : ظلال الرقص
•اخترع البشر منذ القدم طقوسهم الصغيرة في مواجهة ما يكسرهم.
•واحد يلوذ بالصمت، وآخر يغني، وثالث يضحك في أكثر اللحظات سوادا، وهناك من يرقص، ليس فرحا بل لأن الوجع يغدو أثقل من أن يحتمل وأنت ساكن.
•كنا حفاة ندحرج دولابا معدنياً فوق طرقات بحجارتها البازغة التي تتربص بأقدامنا العارية.
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
اخترع البشر منذ القدم طقوسهم الصغيرة في مواجهة ما يكسرهم. واحد يلوذ بالصمت، وآخر يغني، وثالث يضحك في أكثر اللحظات سوادا، وهناك من يرقص، ليس فرحا بل لأن الوجع يغدو أثقل من أن يحتمل وأنت ساكن. كنا حفاة ندحرج دولابا معدنياً فوق طرقات بحجارتها البازغة التي تتربص بأقدامنا العارية. فإذا باغتنا حجر وأسال دما ساخنا كنا تركنا الدولاب يدور وحده ونأخذ بالرقص. وكأننا نلتف حول جرحنا بحركات سريعة. الرقص يومها كان ضمادة لا تشبه الضمادات، وسخرية خفية من حجر ظن أنه انتصر، فيما الدولاب يواصل رحلته غير عابئ بما حدث. والمعلم كان يتعب من عد العصي التي تستقر على أكفنا الصغيرة. وما إن يفرغ حتى نخطف أيدينا إلى آباطنا، نعصرها بقوة، قبل أن نتمايل ونضحك ونرقص. لم يكن في الأمر تحديا للمعلم وحده، وإنما إعلانا غامضا أن الألم لا يملك الكلمة الأخيرة. كان ينتظر دمعة، فنمنحه حركة، وينتظر انكسارا، فنرد عليه بعناد صغير يتقافز فوق التراب حتى يتعب هو قبل أن نتعب. وهنا أذكر الديك السمين الذي كنا نطارده بين الدجاجات، حتى يقع أسيرا بين أيدينا. كان الجار يشحذ سكينه ببرود قبل أن يذبحه فيتطاير دمه قبل أن ينفلت من بين يديه راقصا في فناء الدار. كان يرفرف بجناحين أثقلهما ظل الموت، ويدور كمن يفاوض الحياة على دقيقة أخرى. يومها لم أفهم تلك الرقصة الأخيرة الصاخبة الآيلة للإنطفاء. كنت أراها فوضى مذعورة فقط. بعد أعوام صارت تبدو لي مقاومة أخيرة، يقول فيها الجسد للموت إنه لم يفرغ بعد من بعض الحياة. حتى السحالي الصغيرة التي كنا نصطادها بين شقوق الصخور كانت تعلمنا الدرس نفسه من غير قصد. كنا ننصب لها مقصلة من حجارة، فينفصل الرأس، ويبقى الذيل يتحرك ويرقص فوق التراب. كان المشهد يربك طفولتنا. كيف يواصل جزء من الجسد حياته بعد أن غاب الرأس؟ لم نكن نعرف أن الحياة تختزن في أعماقها طاقة عصية على الاستسلام، وأن الحركة أحيانا آخر ما يملكه الكائن في وجه الفناء. كبرنا، واكتشفنا أن تلك الرقصات لم تكن لعب أطفال، ولا ارتعاشات جسد مذعور. الجسد يعرف ما لا يعرفه العقل في لحظات كثيرة. يعرف أن الوجع إذا بقي ساكنا تمدد، وإذا تحرك قليلا خف حمله، وأن الإنسان لا ينتصر دائما على مصائبه، غير أنه يستطيع أن يحرمها متعة رؤيته منكسر. ربما لهذا يرقص الطفل حين يسقط، ويبتسم الجريح في وجه من كسره، ويواصل القلب نبضه بعد كل خيبة، كأنه يتقن فنا قديما في خداع العتمة. فالحياة لا تهزم الألم في كل مرة، غير أنها تمتلك موهبة نادرة في الإفلات من قبضته. وكلما ظن الوجع أنه أحكم إغلاق أبوابه، وجد الإنسان منفذا صغيرا يمر منه.. برقصة راقصة. ــ الدستور
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

