المحامي معن عبد اللطيف العواملة : التعليم المنشود وشحذ العقول.
•شهد الاردن خلال العقود الثلاثة الماضية تحولاً جذرياً متسارعاً في بنية وتوجهات التعليم العالي.
•هذه التغيرات لم تكن مدفوعة دائماً بضرورات التطوير المعرفي، بل حولت التعليم في كثير من مساراته من رحلة مقدسة لبناء العقل وتشكيل الوعي الإنساني، إلى «سباق تسلح» محموم بالشهادات والألقاب الأكاديمية.
•لقد أفرز هذا التضخم العددي في الشهادات على اختلاف مستوياتها التباساً خطيراً ومزمنأً في الوعي الجمعي الأردني، حيث تداخلت المفاهيم واختلطت صورة «حامل الشهادة» بصورة «الإنسان الواعي المتعلم».
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
شهد الاردن خلال العقود الثلاثة الماضية تحولاً جذرياً متسارعاً في بنية وتوجهات التعليم العالي. هذه التغيرات لم تكن مدفوعة دائماً بضرورات التطوير المعرفي، بل حولت التعليم في كثير من مساراته من رحلة مقدسة لبناء العقل وتشكيل الوعي الإنساني، إلى «سباق تسلح» محموم بالشهادات والألقاب الأكاديمية. لقد أفرز هذا التضخم العددي في الشهادات على اختلاف مستوياتها التباساً خطيراً ومزمنأً في الوعي الجمعي الأردني، حيث تداخلت المفاهيم واختلطت صورة «حامل الشهادة» بصورة «الإنسان الواعي المتعلم». إن الشهادة الأكاديمية، في أصلها الفلسفي، ليست غاية بحد ذاتها، بل هي وسيلة يُفترض أن تهذب السلوك، وتوسع المدارك، وتدفع بصاحبها نحو الاشتباك الإيجابي والبنّاء مع قضايا مجتمعه ووطنه. نجد اليوم أن الغالبية العظمى من الخريجين ينكفئون على أنفسهم ويدخلون في حالة من السبات المعرفي بمجرد الحصول على الوظيفة أو الاستقرار المالي المؤقت، متخلين عن أي دور حقيقي في التنوير المجتمعي أو القيادة الفكرية. إن الشهادة التي لا تشحذ العقول بتنمية مهارات التحليل الفكري والنقد الموضوعي، هي شهادة مجتزأة، تنتج انسانا مستهلكاً للأفكار الجاهزة، وليس صانعاً أو مطوراً لها. هذا النمط من التعليم السلبي يجرد الخريج من حصانته الفكرية، فلا تحميه شهادته العالية من الوقوع في فخ الأخبار الزائفة، أو الانجرار خلف الخطاب الشعبوي المضلل والمثبط. يتردد باستمرار في الأوساط الاقتصادية الأردنية شكوى ان آلاف الخريجين من غير عمل، بينما تبحث مئات الشركات عن موظفين مؤهلين ولا تجدهم. هذه المفارقة تلخص الأزمة الحقيقية. السبب يكمن في أن السوق العالمي، والأردني ليس استثناءً منه، قد تجاوز عقلية المؤهل الورقي ويتجه بقوة نحو اقتصاد المهارات. الشركات والمؤسسات الرائدة اليوم تبحت عن المواهب التي تضيف القيمة وليس الشهادة بحد ذاتها. إن التنمية الاقتصادية المستدامة والراسخة تعتمد على جودة الإنتاج وتنافسيته. وعندما تكون المخرجات التعليمية هشة، يضعف الإنتاج الوطني، وتقل قيمته المضافة في الأسواق، ويتعثر الابتكار. إننا أمام استحقاق وطني لا يحتمل التأجيل. لا بد لنا من الانتقال الجاد والشجاع من التعليم القائم على شحن الذاكرة وحفظ المحتوى، إلى التعليم المبني على الكفايات والمهارات والخبرة العملية. يجب أن نغرس في عقول الأجيال الناشئة ثقافة صلبة مفادها أن يوم التخرج هو بداية رحلة التعلم وليس نهايتها على الإطلاق. بخلاف الافكار السائدة، فإن للشهادة الأكاديمية تاريخ صلاحية إذا لم يتم تحديثها بالمعرفة المتجددة والمهارات المواكبة للعصر. فالشهادة في نهاية المطاف ليست سوى «رخصة قيادة»، لكنها لا تضمن للمجتمع وعي السائق، ولا مهارته في تجاوز المنعطفات الصعبة، ولا قدرته على صيانة المركبة. من الضروري ان نتحول من «مجتمع الشهادات» إلى «اقتصاد المعرفة»، لأن الوعي الاجتماعي والسياسي الناضج لا يُشترى بورقة مختومة، بل بعقول تتقن فن السؤال والتفكير النقدي، وأيدٍ مدربة تمتلك مهارات العمل الميداني والتقني. تبدأ نهضة الأردن الحقيقية عندما ندرك جمعياً، افرادا ومؤسسات، أن قيمة المرء ليست فيما يحفظ ويردد، بل فيما يصنع، وينتج، ويؤثر به في محيط. من هنا، يصبح إصلاح التعليم هو المشروع الوطني الأهم والأولى بالرعاية في الأردن، والمدخل الأساسي لتحقيق استقرار متين وازدهار اقتصادي حقيقي مستدام. ــ الدستور
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

