رمزي الغزوي : هامش في العالم
قبل سنة مررت ببرتوسلافا العاصمة السلوفاكية، ووقفت مشدوها في ساحة بلدتها القديمة، أتابع عائلة غجرية تقدم وصلة غنائية بحماس شديد وأمامهم قبعة مقلوبة بها قطع من النقود. ما شدني ذلك الألم العميق في عين الطفلة السمراء وهي تحاول أن ترتجل رقصة متلعثمة تتساوق مع أنغام قيثارة والدها وتصفيق والدتها الإيقاعي. قبل ايام مر يوم الغجر العالمي، وقد اقرته الأمم المتحدة قبل سنوات؛ لكي يتذكر العالم، ولو لوهلة عابرة، أناسا لطالما غابوا عن الضوء، دون أن يلتفت إليهم أحد. هم لا يحملون وطنا في جيوبهم، ولا يملكون تاريخا رسمه المنتصرون، فقط فتات ذاكرة محفوظ في إيقاع رقصة، أو كلمات أغنية تغنى في المساء، أو قصة تروى حول نار صغيرة. قبل أكثر من ألف سنة، خرجوا من شمال الهند كأنهم يسيرون خلف صوت لا يسمعه سواهم أو كأنهم يتبعون شمسا يريدونها لا تغيب. لم يكونوا دولة، ولا أمة تبحث عن حدود. كانوا نبضا حرا، لا يطيق القوالب. كلما حاول العالم أن يضعهم في خانة، أفلتوا منها، لأنهم ببساطة لا يشبهون أحدا. في كل أرض وطأوها، كانوا «الغريب». أحيانا فتن الناس بسحرهم، وفي أحيان كثيرة خافوا من هذا المختلف. ألصقت بهم صفات جاهزة: متسولون، محتالون، غرباء لا يؤمن جانبهم. في أوروبا، تعرضوا للطرد والسجن وحتى الإبادة، فقط لأنهم لم يكونوا «أنقياء». ولم يسمع العالم صراخهم، لأنهم لم يملكوا منبرا يروي حكايتهم. في العالم العربي، تعددت أسماؤهم: «الكاولية»، «النور»، «الدوم»... لكن الموقف منهم كان واحدا: الإقصاء. في بعض الدول ، عاشوا على الهامش جغرافيا واجتماعيا. موسيقاهم كانت مدعوة إلى الأفراح، لكنهم لم يدعوا للبقاء. وبعد كل احتفال، يطلب منهم الرحيل، بهدوء، كما لو أن وجودهم كان زائرا ثقيلا. وحين تعصف البلاد بالتغيير، يكونون أول من يدفع الثمن. الغجر لا يسعون لأن يذابوا في المجتمعات، ولا يطلبون القبول المشروط. كثيرا ما اختاروا العزلة، لا هربا من الناس، بل حفاظا على ما تبقى من أنفسهم. ربما هم اشباح هاربة من وحشية الإنسان المفترس. ليسوا أسطورة، ولا خرافة، بل بشر يتنفسون، ويحلمون، ويتألمون في عالم ضيق لا يتسع لمن لا يشبه الأغلبية. الحديث عن الغجر، الذين يتخذون عجلة العربة شعارا لهم، هو مرآة لما نخاف أن نراه، وهم الهوية الواحدة، وادعاء النقاء. هم الوجه الحقيقي للهوية الهاربة، المتعددة، التي ترفض أن تحبس في خانة اسم أو علم أو طائفة. لهذا يرفضون. ليس لأنهم خطر، بل لأنهم لا يطيعون قوانين الانتماء التي نصبناها كمعيار للقبول.





