سليمان الجاسم: سيرة إماراتية بين الإدارة والفكر والإبداع
في الذاكرة العربية شخصيات تعبر الزمن بهدوء يشبه ضوء الفجر؛ لا تصنع ضجيجًا حولها، لكنها تترك أثرها في العقول والقلوب والمؤسسات. شخصيات حين تُذكر، لا تُستعاد بوصفها أسماء عابرة في سجل المناصب، بل بوصفها حالات إنسانية وثقافية صنعت فرقًا في المكان والإنسان. ومن بين تلك الأسماء، يبرز الدكتور سليمان موسى الجاسم بوصفه واحدًا من الوجوه الإماراتية التي جمعت بين حكمة الإدارة، ورهافة الفن، وهدوء المثقف الذي يؤمن أن بناء الإنسان أعظم من بناء الحجر. ولد في الفجيرة عام 1954، تلك المدينة التي تتكئ على الجبال وتفتح عينيها كل صباح على البحر. وفي الإمارات القديمة، قبل الطفرة الكبرى، كان المكان يصنع أبناءه على مهل؛ يمنحهم صلابة الجبل واتساع البحر في آن واحد. هناك تشكل وعي الطفل سليمان الجاسم، فحمل من الفجيرة صفاءها وهدوءها وكرمها الإنساني، وظل طوال رحلته يشعر أن الإنسان بلا جذور يشبه سفينة بلا مرافئ. كانت الإمارات آنذاك تخطو خطواتها الأولى نحو الدولة الحديثة، وكان جيل الرواد يدرك أن المستقبل لن يُبنى بالنفط وحده، بل بالعلم والعقل والإدارة. لذلك بدت رحلة الجاسم التعليمية وكأنها جزء من الحلم الإماراتي نفسه؛ حلم الانتقال من البدايات البسيطة إلى أفق الدولة العصرية. من الكويت، حيث نال دبلومه التربوي في مطلع السبعينيات، إلى أكسفورد التي درس فيها فنون الدبلوماسية، ثم إلى جامعة الإمارات، وصولًا إلى جامعة إكستر البريطانية التي حصل منها على الماجستير والدكتوراه في تنمية القوى العاملة، ظل الرجل يتعامل مع العلم بوصفه مشروع حياة لا شهادة معلقة على الجدار. ولم يتوقف عند حدود التحصيل الأكاديمي، بل واصل حضوره في البرامج والدورات التخصصية في هارفارد وكورنيل، وكأنه يؤمن أن المعرفة نهر لا يجوز أن يتجمد. لكن ما يميز سيرة سليمان الجاسم أن العلم عنده لم يكن ترفًا نخبوًيا، بل أداة لبناء المؤسسات والإنسان معًا. في سنوات عمله الدبلوماسي، سواء في الديوان الأميري بالفجيرة أو في وزارة الخارجية الإماراتية ومهماته الدولية، بدا وكأنه ينتمي إلى جيل الدولة الذي حمل عبء التأسيس بصمت. كان ذلك الجيل يعرف أن صورة الإمارات في الخارج ليست بيانات سياسية فقط، بل أخلاق عمل، واحترام إنسان، وقدرة على تقديم نموذج عربي حديث ومتوازن. غير أن التحول الأهم في مسيرته جاء مع دخوله عالم التعليم العالي، حيث وجد المساحة الأرحب لتحقيق رؤيته الفكرية والإنسانية. في كليات التكنولوجيا العليا بأبوظبي، لم يكن مجرد إداري يشرف على مؤسسة تعليمية، بل كان مؤمنًا بأن التعليم الفني والتقني هو الطريق الحقيقي لبناء اقتصاد حديث. كان يرى أن الجامعة ليست مصنعًا للشهادات، بل مختبرًا لإعداد الإنسان القادر على مواجهة المستقبل. ثم جاءت تجربته في جامعة زايد، التي شهدت في عهده حضورًا أكاديميًا متقدمًا وانفتاحًا أكبر على البحث العلمي والتطوير المؤسسي. هناك بدا واضحًا أنه لا يؤمن بإدارة جامدة، بل بإدارة تتفاعل مع العالم، وتفهم أن الجامعة الحديثة لا تُقاس بعدد المباني، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وصناعة الأثر. أما في جامعة الفجيرة، فقد بدت التجربة أقرب إلى عودة الروح إلى المكان الأول. عاد الرجل إلى مدينته محملًا بخبرات السنين، ليجعل من الجامعة منارة علمية تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية، وتفتح أبوابها لفكرة التعليم المستدام والبحث العلمي والشراكة مع العالم. لكن الوجه الآخر لسليمان الجاسم، وربما الأجمل، هو وجه الفنان الذي يسكن خلف الإداري. فالرجل لم يتعامل مع المسرح بوصفه هواية عابرة، بل بوصفه مساحة لفهم الإنسان والحياة. كتب للمسرح، وشارك في الحراك الثقافي الإماراتي، وأسهم في دعم الفن والفكر، حتى بدا وكأنه يرفض الفصل بين الثقافة والإدارة، بين العقل والإحساس. وفي عالم عربي غالبًا ما يُنظر فيه إلى الإداري بوصفه شخصًا جافًا، وإلى الفنان بوصفه حالمًا بعيدًا عن الواقع، جاءت شخصية سليمان الجاسم لتكسر هذا التصنيف التقليدي. فهو الإداري الذي يفهم لغة الأرقام، لكنه يصغي أيضًا إلى الموسيقى الداخلية للروح الإنسانية. لهذا لم يكن غريبًا أن يحضر اسمه في المؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، التي تمثل واحدة من أبرز الحواضن الفكرية والأدبية في العالم العربي. فالرجل كان يؤمن دائمًا أن الثقافة ليست ترفًا، بل جزء من مشروع بناء المجتمع. وفي لقاءاته مع الطلبة والأكاديميين، لا يظهر بصفته مسؤولًا يوزع التعليمات، بل أقرب إلى معلم هادئ يؤمن بالحوار والتشجيع والإصغاء. وربما لهذا اكتسب احترام من عملوا معه؛ لأنه كان يرى الإنسان قبل الوظيفة، والموهبة قبل البيروقراطية. لقد عرفت الإمارات، خلال العقود الماضية، نماذج قيادية كثيرة ساهمت في بناء الدولة الحديثة، لكن بعض الشخصيات تمتلك خصوصية مختلفة لأنها جمعت بين أكثر من عالم في آن واحد. والجاسم واحد من هذه النماذج النادرة: إداري ناجح، أكاديمي رصين، مثقف قريب من الناس، وفنان يرى في الإبداع ضرورة للحياة لا زينة لها. وأتذكر أنني تعرّفت إليه للمرة الأولى في منتصف التسعينيات، من خلال الكاتب والأكاديمي الإماراتي المبدع الصديق عبد الله السويجي، في جلسة نقاشية دارت في بيته، جمعت مجموعة من الأكاديميين والكتّاب والإعلاميين، حول ظاهرة الفضائيات العربية التي كانت آنذاك تعيد تشكيل الوعي العربي وتغيّر ملامح الإعلام التقليدي. كان الحوار محتدمًا بالأفكار والأسئلة، لكن ما استرعى انتباهي في حديثه ليس فقط سعة ثقافته، بل طريقته الهادئة والعميقة في تفكيك المشكلة والتركيز على جوهرها بعيدًا عن الانفعال والضجيج. كان يتحدث بثقة العارف، وهدوء الأكاديمي الذي يرى أبعد من اللحظة الآنية، وكأنه يقرأ المستقبل الإعلامي العربي قبل أن تتضح ملامحه كاملة. وقد أسعدني يومها أن يخبرني عبد الله السويجي بأن الجاسم معجب أيضًا بطروحاتي العلمية والفكرية، فشعرت أننا، بالرغم من اختلاف التجارب والمسارات، نلتقي عند هدف واحد: الإيمان بأن الثقافة والمعرفة ليستا ترفًا، بل ضرورة لبناء الإنسان العربي الحديث. واليوم، حين يُستعاد اسمه في الذاكرة الإماراتية والعربية، فإنه لا يُستعاد بوصفه رئيس جامعة أو مسؤولًا سابقًا فقط، بل بوصفه صورة لجيل كامل آمن بأن النهضة الحقيقية تبدأ من الإنسان. ذلك الجيل الذي فهم باكرًا أن الأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل بالفكرة، وبالكتاب، وبالمسرح، وبالمعلم الذي يضيء عقول الأجيال. وهكذا يبقى الدكتور سليمان موسى الجاسم واحدًا من أولئك الذين عبروا الحياة بهدوء الكبار، تاركين خلفهم أثرًا يشبه الضوء: لا يعلو صوته كثيرًا، لكنه يبقى طويلًا في الذاكرة.المصدر: إيلاف | Source: إيلاف
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة إيلاف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by إيلاف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



