توفي صباح اليوم العالم والباحث والمفكر الإسلامي السوري، عدنان عدنان زرور في المنامة، عن عمر ناهز 87 عاماً، وقد ووري الثرى في مقبرة “المُحَرَّق” بدولة البحرين.
يعد الراحل “مؤسسة معرفية متنقلة”، وحارساً أميناً على ثغور علوم القرآن الكريم، ومفكراً جمع بين دقة المحدث وعمق الأصولي وسعة أفق الفيلسوف المسلم، وكان واحداً من أولئك العلماء الذين جعلوا من العلم رسالة عمرهم، ومن التحقيق أمانة في أعناقهم، ومن خدمة القرآن وعلومه وظيفة حياتهم، فترك وراءه تراثاً علمياً غزيراً، ومشروعاً فكرياً متكاملاً، وأثراً طيباً في تلاميذه وطلابه ومحبيه.
كان عالماً موسوعياً، وباحثاً محققاً، ومفكراً إسلامياً رصيناً، جمع بين سعة الاطلاع وأصالة التكوين ودقة التحقيق ووضوح العبارة.
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، كان الراحل من الموقعين على بيان أصدرته “رابطة العلماء السوريين”، قالت فيه إن مساندة مطالب المتظاهرين السلميين في سوريا واجب شرعي على كل عالم مسلم مهما تكن جنسيته، كما أكدت أن أبناء الشعب السوري إخوة في الدين والوطن بكل طوائفهم ومذاهبهم.
رحلة غنية
ولد الراحل في مدينة دمشق عام 1939، تلقى تعليمه في مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس “الجمعية الغراء” التي كانت تعنى بالعلوم العربية والشرعية، وبعد حصوله على الثانوية الشرعية، حصل على الثانوية العامة.
درس الشريعة والحقوق، وتخرج بالشريعة في “جامعة دمشق” في حزيران 1960، وكان أول خريج يحصل في “كلية الشريعة” على درجة “الليسانس” بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف الثانية، ولم يتابع الدراسة في كلية الحقوق بعد أن اجتاز بعض مقررات السنة الرابعة.
عمل مدرّساً في المدارس الإعدادية والثانوية في بعض المحافظات السورية عامي 1961 و1962، وكان في العام الثاني مديراً لثانوية “فيق” الرسمية في الجولان، فرع محافظة درعا.
بعدها، عُين معيداً في “كلية الشريعة” بجامعة دمشق، تفرّغ خلالها للعمل في موسوعة “الفقه الإسلامي”، ثم أوفد للدراسة العليا في “كلية دار العلوم” بـ”جامعة القاهرة” مطلع عام 1964، حيث حصل على درجتي “الماجستير” و”الدكتوراه” في “الشريعة الإسلامية”.
عُين مدرّساً بـ”كلية الشريعة” في “جامعة دمشق” بدءاً من العام الجامعي 1969، بعد أن قررت اللجنة العلمية التي أعادت قراءة إنتاجه العلمي أهليته للتعيين في قسمين من أقسام الكلية، هما “قسم العقائد والأديان”، و”قسم التفسير والحديث”، فاختار التعيين في القسم الأول، حيث نهض بتدريس مقررات العقيدة والأديان، ونظام الإسلام وحاضر العالم الإسلامي، وعلّم الاجتماع والأخلاق، ثم أسندت إليه الكلية بالتنسيق مع “كلية الآداب” تدريس التفسير والحديث بقسم اللغة العربية، بدءاً من عام 1973 حتى عام 1980 حيث استقال من “جامعة دمشق”، والتحق بـ”جامعة الإمارات العربية المتحدة”، وعمل أستاذاً في وكان خلالها رئيساً لقسم “الدراسات الإسلامية” في كلية الآداب، ورئيساً للجنة الثقافية لمدة ثلاث سنوات، ومقرراً للجنة الترقيات، كما شغل في الفصل الصيفي وشطر من الفصل الدراسي الأول من عام 1986م منصب “عميد كلية الآداب” و”عميد الدراسات العليا والبحث العلمي” بالإنابة.
كما عمل خلال هذه الفترة محاضراً غير متفرغ في “الجامعة الأردنية”، وكان انتدابه لتدريس مقرري “حاضر العالم الإسلامي” و” مقارنة الأديان” على وجه الخصوص.
التحق بـ”جامعة قطر” أستاذاً بقسم “الدعوة والثقافة الإسلامية”، ثم أستاذاً ورئيساً لقسم “التفسير والحديث”، كما التحق بـ”جامعة البحرين” أستاذاً بقسم “اللغة العربية والدراسات الإسلامية” بـ”كلية الآداب”.
الإشراف والتحكيم
أشرف على رسالتين علميتين في جامعة “الإمام محمد بن سعود الإٍسلامية”، وكان محكّماً في قراءة أكثر من ثلاثمئة بحث وكتاب للنشر الجامعي وللترقيات العلمية في أكثر من جامعة عربية (الجامعة الأردنية– جامعة قطر – جامعة الملك سعود – جامعة مؤتة – جامعة اليرموك – الجامعة الإسلامية بغزة – كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي – المعهد العالمي للفكر الإسلامي – جامعة الكويت)، وشارك فيها في تقييم مشاريع الأبحاث العلمية، وبرنامج الماجستير في التفسير وعلوم القرآن، وكان نحو مئة من هذه البحوث والكتب في حقل التفسير وعلوم القرآن، وسائرها في علوم الحديث، والعقيدة، والفرق، والأديان، والدعوة، والثقافة الإسلامية.
كما كان محكّماً في قراءة الكتب والبحوث التي تناولت التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، في “جائزة الملك فيصل العالمية”.
شارك في تأسيس “جائزة راشد بن حميد” للثقافة والعلوم في عجمان، ورفدها لبضع سنوات ببعض موضوعات الجائزة في حقل الدراسات الإسلامية، وبعض الحقول الثقافية الأخرى، وشارك في تقويم أعمال المتسابقين.
حصل على جائزة “السلطان حسن بلقية” لعام 1996، التي ينظمها ويشرف عليها “معهد أكسفورد للدراسات الإٍسلامية”، وقد جاء في خطاب مدير المركز أن “لجنة المحكمين قررت منحكم هذه الجائزة تقديراً لإنجازاتكم البارزة، وتميّز إنتاجكم في الدراسات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه”.
الإسهامات العلمية
يعد ميدان علوم القرآن والتفسير هو الميدان الأبرز في مسيرة الدكتور عدنان زرزور العلمية، فقد خصص جانباً كبيراً من عمره وعلمه لخدمة كتاب الله تعالى، دراسةً وتحليلاً وتحقيقاً وتفسيراً.
اهتم الدكتور زرزور بدراسة مناهج المفسرين عبر العصور، وتحليل طرقهم في استنباط الأحكام من القرآن الكريم، والكشف عن القواعد الأصولية واللغوية التي اعتمدوها في فهم النص القرآني.
كما كان من المهتمين بالتفسير بالمأثور، والتفسير الذي يعتمد على القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، إيماناً منه بأن هذا المنهج هو الأقرب إلى فهم مراد الله تعالى من كتابه.
ومن المجالات التي برع فيها، الربط بين التفسير واستنباط الأحكام الفقهية، حيث كان يرى أن التفسير ليس مجرد شرح للألفاظ، بل هو مدخل لفهم مقاصد الشريعة واستنباط أحكامها.
المنهج الفكري
تتميز شخصية عدنان زرزور العلمية والفكرية بالجمع بين الأصالة والمعاصرة، فهو عالم راسخ في التراث، متعمق في علومه، وفي الوقت نفسه واعٍ بأسئلة العصر وتحدياته، فكان يرى أن الحل لمشكلات الأمة المعاصرة لا يكون بالانفصال عن التراث، ولا بالتقليد الأعمى للغرب، بل بالعودة إلى الأصول الصحيحة، مع فهم واقع العصر ومتطلباته.
وكان يولي عناية كبيرة بالمنهجية العلمية في البحث، ويؤكد أهمية الدقة في النقل، والتحقيق في الرواية، والتمحيص في الاستنتاج، كما كان من دعاة الوسطية والاعتدال في الفكر الإسلامي، يرفض الغلو والتطرف من جهة، والتفريط والتسيب من جهة أخرى، كان يرى أن العلم ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة للعمل الصالح، وخدمة الأمة، ونشر الخير والهداية.
حارس التراث
حقق زرزور عدداً من الكتب التراثية المهمة، وأخرجها في طبعات محققة علمياً، ما أسهم في خدمة التراث الإسلامي وإتاحته للباحثين والدارسين، ولم يكن التحقيق عنده مجرد صف للحروف وتصحيح للأخطاء الإملائية، بل كان إحياءً للنص.
كان يرى أن المحقق شريك للمؤلف، عليه أن يفهم بيئة المؤلف، ولغته، ومنازعه الفكرية، تجلى ذلك في تحقيقاته لبعض رسائل ابن تيمية وابن القيم، وفي دراساته المعمقة لتاريخ الفكر الإسلامي.
كان يمتلك بصيرة نافذة في تمييز الأصيل من الدخيل في المخطوطات العربية، وكان تحقيقه لكتاب “تفسير القرآن” المنسوب لابن قيم الجوزية عملاً مضنياً برهن على طول نفسه العلمي ودقة ملاحظته.
هذه المؤلفات والتحقيقات تتميز بلغة عربية رصينة، وأسلوب أكاديمي دقيق، ونزعة نقدية بناءة، ما جعلها تتصدر قوائم القراءات الإجبارية في كليات الشريعة وأقسام الدراسات الإسلامية في العالم العربي.
إرث غزير
ترك زرزور إرثاً علمياً غزيراً يتوزع بين التأليف والتحقيق، ومن أبرز مؤلفاته: (البيان النبوي، إنسانية الثقافة الإسلامية، فصول في علوم القرآن، مصطفى السباعي: الداعية المجاهد والفقيه المجدِّد، تداول الأيام لا نهاية، الثقافة الإسلامية وطبيعة التفكير والتجديد، سمات البلاغة النبوية بين الجاحظ والرافعي والعقاد، فهوم البدعة في الثقافة الإسلامية، مقدِّمة في أصول التفسير، لحاكم الجُشَمي ومنهجه في تفسير القرآن، نحو عقيدة إسلامية فاعلة: منهج بحث وطريقة تعليم، علوم القرآن وإعجازه، جذور الفكر القومي والعلماني”.





