يرى أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان أن انتهاء مهلة الـ45 يوماً المخصصة لمراجعة الكونغرس الأميركي لإجراء رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يعتبر محطة سياسية جديدة فحسب وإنما يمكن النظر إليه بوصفه انتقالاً من مرحلة إزالة العوائق القانونية إلى مرحلة أكثر صعوبة وأهمية، تتمثل في استعادة الثقة بالاقتصاد السوري ومؤسساته.
وقال: مع اكتمال مرحلة المراجعة في الكونغرس يصبح الطريق مفتوحاً أمام استكمال الإجراءات التنفيذية النهائية لكن من المهم ألا نبالغ في تفسير هذه الخطوة، إذ إن انتهاء المهلة لا يعني أن جميع القيود الاقتصادية والمالية ستختفي دفعة واحدة، كما لا يعني أن الاستثمارات والمصارف والشركات الدولية ستعود في اليوم التالي، مضيفاً: هنا تحديداً تبدأ المهمة السورية.
لا يعني عودة الاستثمار تلقائياً
على مدى سنوات طويلة، لم تكن المشكلة الاقتصادية السورية مرتبطة بالعقوبات وحدها، رغم أثرها الكبير في التجارة والتحويلات والاستثمار والقطاع المصرفي فقد تراكمت إلى جانبها تحديات داخلية تتعلق ببيئة الأعمال، والتشريعات، والإجراءات الإدارية، والبنية التحتية، واستقرار السياسات الاقتصادية، لذلك فإن إزالة أحد أهم العوائق الخارجية تمنح الاقتصاد السوري فرصة حقيقية، لكنها لا تضمن الاستفادة منها.
وأضاف: فالمستثمر الذي يفكر في دخول السوق السورية لن يسأل فقط: هل رُفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب؟ بل سيسأل أيضاً: هل أستطيع تأسيس مشروعي بسهولة؟ هل القوانين واضحة ومستقرة؟ هل أستطيع تحويل أموالي وأرباحي؟ وهل توجد بيئة مصرفية قادرة على التعامل مع المؤسسات المالية الدولية؟
ولنتخيل مستثمراً يرغب في إنشاء مصنع أو مشروع زراعي أو سياحي في سوريا، لن يكون كافياً بالنسبة إليه أن تزول القيود الخارجية إذا كان سيواجه إجراءات معقدة للحصول على التراخيص، أو صعوبة في التمويل، أو مشكلات في الطاقة والبنية التحتية، أو غموضاً في استيراد المعدات وتحويل الأرباح، وهذه أسئلة وتحديات سورية داخلية أكثر منها أميركية.
القطاع المصرفي أمام اختبار حقيقي
ويرى حمدان أنه قد يكون القطاع المصرفي من أكثر القطاعات استفادة من استكمال رفع التصنيف، لكنه سيكون أيضاً من أكثرها حاجة إلى التطوير ورفع الجاهزية، فالمصارف الدولية لا تبني قراراتها على السماح القانوني وحده، وإنما على تقييم المخاطر والامتثال والشفافية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومعايير معرفة العميل.
فعلى سبيل المثال، قد يصبح تنفيذ تحويل مالي إلى مصرف سوري ممكناً من الناحية القانونية، لكن مصرفاً أجنبياً قد يتردد في تنفيذ التحويل إذا بقي تقييم المخاطر مرتفعاً، أو لم تكن متطلبات الامتثال والشفافية والرقابة بالمستوى الذي يطمئن المؤسسات المالية الدولي، ولهذا فإن عودة العلاقات المصرفية الطبيعية تحتاج إلى بناء الثقة بين المصارف السورية والمؤسسات المالية الخارجية، وتطوير أنظمة الامتثال والحوكمة والرقابة، وتحديث البنية التقنية للمصارف.
وبعبارة أكثر وضوحاً: إزالة العائق القانوني أمام التعامل مع سوريا شيء، وإقناع المؤسسات المالية العالمية بالتعامل معها شيء آخر.
كيف نستعيد ثقة رأس المال السوري؟
ومن أهم الفرص التي ينبغي عدم إغفالها رأس المال السوري في الخارج فقد انتقلت خلال السنوات الماضية خبرات ورؤوس أموال وشركات سورية إلى دول عديدة، ونجح كثير من السوريين في تأسيس أنشطة اقتصادية وتجارية وصناعية خارج البلاد، لذلك، قبل أن نسأل: كيف نجذب المستثمر الأجنبي؟ ربما علينا أن نسأل سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف نستعيد ثقة المستثمر السوري؟
فصاحب منشأة سورية يعمل اليوم في الخارج لن ينقل جزءاً من نشاطه إلى سوريا لمجرد حدوث انفتاح سياسي أو رفع قيود خارجية، بل سيقارن بين كلفة الإنتاج، واستقرار التشريعات، وتوافر الطاقة والتمويل، وسهولة التحويلات، وحماية الملكية والاستثمار قبل أن يتخذ قراره.
ويرى حمدان أنه هنا تكمن فرصة مهمة فالسوريون في الخارج لا يمتلكون رأس المال فقط، بل يمتلك كثير منهم خبرات إدارية وتقنية وشبكات تجارية وعلاقات مع أسواق خارجية يمكن أن تسهم في عملية التعافي الاقتصادي، وإن توفير بيئة قانونية وإدارية مستقرة، وتبسيط الإجراءات، وضمان حقوق الملكية، وتوفير آليات واضحة لتحويل الأموال والأرباح، يمكن أن يجعل رأس المال السوري في الخارج من أوائل المحركات الحقيقية للتعافي وإعادة الإعمار.
خريطة طريق اقتصادية
يرى أستاذ إدارة الأعمال أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى برنامج اقتصادي واضح، لا إلى انتظار النتائج التلقائية للانفتاح السياسي وهذا يتطلب مراجعة التشريعات الاستثمارية، وتبسيط تأسيس الشركات، وتطوير القطاع المصرفي، وتحديث أنظمة الدفع والتحويل، وتحسين الحوكمة والشفافية، وتقديم صورة واضحة للمستثمرين عن القطاعات والفرص المتاحة في الاقتصاد السوري، كما تحتاج سورية إلى تغيير الصورة الذهنية التي تشكلت عن سوقها خلال سنوات العزلة، وهذا لا يتحقق بالرسائل السياسية وحدها، بل ببيانات ومؤشرات وسياسات اقتصادية مستقرة وقابلة للقياس.
فإذا أرادت سورية جذب استثمار صناعي، على سبيل المثال، فإن المستثمر يحتاج إلى معلومات واضحة عن تكلفة الطاقة والأرض والعمالة والضرائب والإعفاءات وإجراءات التأسيس والتصدير، لا إلى دعوة عامة للاستثمار فقط، فالمستثمر يتخذ قراره بالأرقام والقواعد الواضحة، لا بالشعارات.
من الدبلوماسية إلى الاقتصاد
لقد كانت إزالة العقبات السياسية والقانونية الخارجية مسؤولية الدبلوماسية بالدرجة الأولى، أما تحويل نتائجها إلى استثمارات ومصانع وفرص عمل وتحسن في مستوى معيشة السوريين فهو مسؤولية الإدارة الاقتصادية والمؤسسات السورية، وهنا سيكون معيار النجاح مختلفاً تماماً، فالمواطن لن يقيس أثر هذه التحولات بعدد البيانات السياسية، بل بما إذا كانت فرص العمل ستزداد، والقوة الشرائية ستتحسن، وتكلفة التحويلات والتجارة ستنخفض، والاستثمارات والمشروعات الجديدة ستبدأ بالظهور فعلياً، ولهذا فإن انتهاء مهلة الكونغرس ليس نهاية الطريق، بل ربما يكون بداية الجزء الأصعب منه.
ويختم حمدان بالقول: لقد عانى الاقتصاد السوري سنوات من القيود التي أعاقت اندماجه في الاقتصاد العالمي، ومع بدء تفكيك هذه القيود تصبح المسؤولية في الداخل أكبر، فهل نستطيع بناء اقتصاد ومؤسسات وبيئة أعمال تجعل العالم راغباً في التعامل معنا، بعد أن يصبح التعامل ممكناً؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذه اللحظة.16:52دارية وتقنية وشبكات تجارية وعلاقات مع أسواق خارجية يمكن أن تسهم في عملية التعافي الاقتصادي، وإن توفير بيئة قانونية وإدارية مستقرة، وتبسيط الإجراءات، وضمان حقوق الملكية، وتوفير آليات واضحة لتحويل الأموال والأرباح، يمكن أن يجعل رأس المال السوري في الخارج من أوائل المحركات الحقيقية للتعافي وإعادة الإعمار.

