نور الدويري : حرب بلا إعلان ونصر بلا رصاص.. العقيدة الأمريكية الجديدة لاحتواء الشرق الأوسط
جاء اجتماع واشنطن الأخير بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه الأمني في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع جبهات متعددة من التصعيد بين إسرائيل وإيران ووكلائها في أكثر من ساحة. لم يكن الاجتماع حدثًا بروتوكوليًا، بل عكس حالة إدارة أزمة مفتوحة تهدف إلى احتواء تمدد المواجهة ومنع انزلاقها إلى حرب إقليمية شاملة، مع الحفاظ على معادلات الردع القائمة. ضمن هذا الإطار، تركزت المداولات على كيفية ضبط إيقاع التصعيد المتسارع، خصوصًا مع اتساع التوتر من جنوب لبنان إلى الضفة الغربية، وصولاً إلى استهداف العمق الإيراني والردود السيبرانية المتبادلة، مع دخول البحر الأحمر كجبهة لوجستية ساخنة. هذا المشهد يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو نمط حرب الظل المعلنة، حيث تُدار المواجهة عبر ساحات متعددة وتقنيات هجينة دون مواجهة مباشرة شاملة، بما يسمح بالضغط المتبادل دون كسر كامل للتوازن. التطور الأبرز في الحرب الأخيرة كان دخول البعد التكنولوجي كسلاح ردع استراتيجي. من المسيرات الانتحارية بعيدة المدى، إلى الهجمات السيبرانية على البنى التحتية المالية والنفطية، وصولاً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة النيران. هذا المتغير رفع كلفة المواجهة الشاملة بشكل غير مسبوق، لأنه حوّل كل مدينة وكل ميناء وكل محطة كهرباء إلى هدف محتمل. وبالتالي، صار الاحتواء الرقمي جزءًا من حسابات واشنطن، لا يقل أهمية عن الاحتواء العسكري. لكن قراءة هذا الاجتماع لا تكتمل دون إدخال البعد الاقتصادي الذي بات جزءًا أساسيًا من معادلة القرار. فالممرات الحيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر تجعل أي توسع في التصعيد عاملًا مباشرًا في رفع كلفة الطاقة والنقل عالميًا، وهو ما ينعكس على التضخم وأسعار الفائدة في الاقتصاد الدولي. ومن هنا، فإن حسابات واشنطن وتل أبيب وطهران لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية بالدرجة الأولى، لأن كلفة الانفجار الشامل أصبحت أعلى من قدرة النظام الدولي على الاستيعاب. وانعكاسًا لذلك، تتأثر الاقتصادات الإقليمية الهشة بشكل مباشر، حيث تواجه دول مثل الأردن ومصر ولبنان ضغوطًا مضاعفة عبر تراجع الاستثمار والسياحة وارتفاع كلفة الطاقة، في حين تسعى دول الخليج للحفاظ على بيئة مستقرة لجذب رؤوس الأموال. هذا الترابط يجعل من الاستقرار الجزئي خيارًا مفضلًا لدى معظم الأطراف، حتى في ظل استمرار التوتر. في هذا السياق، يمكن فهم اجتماع واشنطن كمحاولة لصياغة توازن دقيق بين التصعيد والاحتواء، أي إدارة الأزمة بدل حسمها. ومع تداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، تبرز أربعة سيناريوهات للمرحلة المقبلة: أولاً، استمرار حرب الظل المعلنة كمسار مرجح، حيث تتواصل المواجهات غير المباشرة ضمن حدود محسوبة. ثانياً، تفاهمات جزئية محدودة عبر تهدئات مؤقتة مرتبطة بملفات إنسانية أو تفاوضية. ثالثاً، خطأ استراتيجي يؤدي إلى توسع غير مقصود في رقعة المواجهة، بما يعيد تشكيل قواعد الاشتباك الإقليمي بالكامل. رابعاً، سيناريو الصفقات الجانبية المتزامنة وهو المسار الأكثر ترجيحاً بعد الحرب الأخيرة، ويتمثل بإدارة مواجهات تكتيكية محدودة في العلن، مقابل تفاهمات اقتصادية-أمنية في الغرف المغلقة حول ملفات الغاز والممرات المائية وإعادة الإعمار. أي حرب في النهار وتفاوض في الليل. في هذا المشهد المتداخل، تتأكد معادلة جديدة: قوة الدولة لم تعد تقاس بقدرتها على شن الحرب، بل بقدرتها على إدارة اللاحرب. المنطقة لا تتجه لحسم قريب، بل لولادة نموذج ردع اقتصادي-تكنولوجي يجعل كلفة الطلقة الأولى أعلى من مكاسبها. وهنا يصبح العامل الحاسم ليس من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك الرواية الأذكى والاقتصاد الأكثر مرونة. وهذا ما يفسر لماذا اجتماعات واشنطن اليوم تشبه غرف إدارة المخاطر في البنوك أكثر من غرف العمليات العسكرية.
