نهاية حرب وبداية مخاطر ما بعد النووي
يروّج الأمريكيون لـ«مذكرة التفاهم» على أنها «اتفاق» يحقق مصالحهم، ويسوّقه دونالد ترمب على أنه يكرس «انتصاره» لكنه لا يعزو هذا النصر إلى الجهد الدبلوماسي، بل إلى لائحة طويلة من الإنجازات العسكرية: تدمير القوة البحرية والدفاعات الجوية ومصانع الصواريخ والمسيّرات، ثم أضاف أخيرًا الحصار البحري باعتباره العامل المؤثر الذي أجبر المفاوض الإيراني على قبول التنازلات المطلوبة. في المقابل كان الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز ألزم المفاوض الأمريكي بتليين شروطه. ومهما تظاهر ترمب بأنه غير مهتم بأزمة إمدادات الطاقة، وكان راضيًا عن المكاسب التي جنتها شركات أمريكية من تقلبات أسعار النفط، إلا أنه أصبح مسؤولا دوليًا عن أزمة اقتصادية تظهر آثارها داخل أمريكا وتلحّ عليه لـ «إنهاء الحرب».وكان «إنهاء الحرب» الشرط الأول الذي طرحته طهران على الوسطاء، وأرفقته بطلب «ضمانات لعدم معاودة الحرب» و«تعويضات» عمّا تعرضت له من أضرار. فجاء وقف إطلاق النار كهدنة أولى وعُقدت جلسة تفاوضية في إسلام أباد أنهاها نائب الرئيس الأمريكي لأنه لم يسمع من الجانب الإيراني «تعهدًا أكيدًا بعدم امتلاك سلاح نووي». لكن التفاوض استمر عبر الوسيط الباكستاني ثم تعثّر فأطلق ترمب تهديده بـ«تدمير محطات الطاقة والجسور ومنشآت النفط» في إيران، ثم أوقف التنفيذ ومدّد الهدنة، وتأكد لاحقًا أن طهران قدمت ذلك «التعهد» وأن الطرفين توافقا على إرجاء البحث في الملف النووي إلى مفاوضات مستقلة.انتقل التعقيد إلى مسائل أخرى بينها رفع العقوبات والإفراج عن الأرصدة المجمدة، ولم تكن هناك صعوبة في تخفيف العقوبات على تصدير النفط الإيراني، أما العقوبات الأخرى فرُبطت بـ«أداء إيران»، وأما الترتيب المشروط الذي عُرض لـ«تقسيط» الأموال المحتجزة فرفضته إيران أولا ثم جرى تحسينه. لكن بقيت عقدة إعادة فتح مضيق هرمز، إذ حاولت طهران نيل اعتراف أمريكي بإشرافها على المضيق وفرض رسوم على عبوره، إلا أن تسخين الجبهة وتهديد ترمب باستئناف الأعمال العدائية، أي بإسقاط الهدنة، أدّيا إلى تراجع إيراني وتجميد لمسألة رسوم العبور خلال فترة المفاوضات النووية. وهكذا أُتيح الإعلان عن «اتفاق إسلام أباد» وإنْ لزمت لمسات أخيرة لإنجازه، لكن برز إشكال يتعلّق بتوقيع هذا الاتفاق، ولعل ترمب كان يرغب في أن يجمع -في إسلام أباد- الدول الـ11 التي قال إنها وافقت على الاتفاق، بما فيها إسرائيل (لم توافق فعليًا)، ثم ارتؤي أن يتم التوقيع «إلكترونيًا»، أي «عن بُعد».في أي حال، هذه مجرد «مذكرة تفاهم»، أو «اتفاق موقت» كما وصفه عباس عراقجي. قد تكرّس هذه الورقة إنهاء الحرب التي اكتشف الجانب الأمريكي ثغرات وأخطاءً كثيرة في التخطيط لها وتنفيذها كما في تحديد أهدافها الإستراتيجية، كذلك في اعتماد إسرائيل كشريك وحيد، لكنها قد تديم الصراع بدرجة أقل من حرب واسعة، سواء بإبقاء إيران تحت العقوبات لفترة طويلة مقبلة، أو لأن قدراتها تقلّصت وأصبحت مكشوفةً ومخترقة. أما الجانب الإيراني فقد تُزيّن له مهارته التفاوضية أنه «انتصر» في حرب كانت افتراءً عدوانيًا عليه وليست نتيجة أخطاء ارتكبها طوال عقود أربعة، وأن الحرب عزّزت شرعية النظام، بل إن إيران «خرجت أقوى بعدما واجهت أمريكا»، كما قال عراقجي. ويصحّ التساؤل: ضدّ مَن ستكون «أقوى»، ومن أجل ماذا؟سعت خمس دول عربية- إسلامية إلى وقف الحرب، وكان لها دور أساسي في إنقاذ الهدنة في مراحل ثلاث، كما أسهمت بدعمٍ وتأييد من دول أخرى في الإقليم في التوصّل إلى «الاتفاق»، باستثناء إسرائيل التي ستبقى ساعية إلى إفساده وإفشاله. بعد هذه التجربة المريرة المعقدة، ستنشغل أمريكا وإيران بالمفاوضات النووية، وستحتاجان إلى إرادة سياسية حقيقية لتخطّي الصعوبات وحسم هذا الملف. لكن تلك الدول العربية- الإسلامية ملزمة بمراقبة هذه المفاوضات بكثير من الحذر، لأن «النووي الإيراني» على خطورته لم يعد بالأهمية التي تبرّر المنحى الابتزازي الذي ينهجه الأمريكيون والإسرائيليون، بل أصبح «ما بعد النووي» هو المسألة التي تُقلق الجميع، كونها تتعلّق بمستقبل المنطقة واستقرارها. إذ إن التوسعات الإقليمية، الإسرائيلية والإيرانية، تجعل من «توزيع النفوذ» أو تقاسمه استحقاقًا قائمًا في انتظار الرعاية الأمريكية.ما سبق «الاتفاق» الأمريكي- الإيراني وما أعقبه من تسريبات يشيران إلى أنه نصٌّ يراه كل طرف لمصلحته. استطاعت إيران أن تبعد شبح التنازلات عن برنامجها الصاروخي، ولا يبدو أن ملف «الأذرع» حظي باهتمام أمريكي حاسم، إذ قيل إن «الاتفاق يقضي بعدم تمويل إيران جماعات إرهابية»، ولم يقلْ إنها تعهّدت ذلك. أما الجانب الإيراني فشدّد مرارًا على أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان و«يعني أيضًا انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة»، وأن الولايات المتحدة ستتولّى الأمر مع إسرائيل. ربما يحصل وقفٌ لإطلاق النار أما الانسحاب فمسألة أخرى.* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»المصدر: صحيفة الوطن السعودية | Source: صحيفة الوطن السعودية
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة صحيفة الوطن السعودية. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by صحيفة الوطن السعودية. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.




