مستشفيات للجرحى والشهداء: الجنوب يفتقد قطاعه الصحي
يشكّل القطاع الصحي في الجنوب خط دفاع أساسياً أمام الهجمة الإسرائيلية الشرسة. وإذا كانت ظروف العدوان تستدعي وقف النشاطات في مختلف القطاعات، إلا أنَّ القطاع الصحي يفترض به السير في اتجاه معاكس. فكلّما اشتدّ العدوان، زادت الحاجة إلى تنشيط هذا القطاع. على أنَّ استدامة نشاطه محكومة بما يمكن توفيره من مستلزمات وعديد طبّي، وخصوصاً في بعض الاختصاصات التي تتناسب مع الحالات التي تستقبلها المستشفيات في أوقات الحرب، وعلى رأسها اختصاصات العظام والأعصاب والبنج. وبالتوازي، يبقى القطاع الصيدلاني تحت رحمة استمرار تأمين طريق مفتوح من الجنوب باتجاه مناطق الداخل، خصوصاً بيروت. أمّا في حال قطع الطرقات بشكل كامل، فإنّ القطاع الصحي يفقد منافذه، وهو ما يخشاه أطباء الجنوب، وتحديداً منطقة صور.
نقصٌ في الجرّاحين
تقلّص القطاع الصحي في الجنوب من خلية عمل تتوزّع أنشطتها بين مراكز الرعاية الصحية الأولية والمستوصفات الخاصة والمستشفيات الخاصة والحكومية، إلى ما تبقّى من مستشفيات خاصة والتي بدورها تفتقد إلى دورة عملها الطبيعي، إذ تحوّلت اليوم إلى حاضنة للشهداء والجرحى.
انعدم نشاط مراكز الرعاية والمستوصفات بسبب التدمير الذي تتعرّض له القرى. وأيضاً طال القصف محيط الكثير من المستشفيات، وأجبرت على إخلاء مرضاها، مثل مستشفى صلاح غندور في مدينة بنت جبيل. وبعيداً من خطّ المواجهة الأمامي، لا تزال مستشفيات منطقة النبطية وصور قادرة على العمل. وبحسب الدكتور جمال بدران الذي يعمل في مستشفى الدكتور حكمت الأمين التابع للنجدة الشعبية اللبنانية، فإنّ "مستشفيات منطقة النبطية لا زالت تعمل، لكن هناك نقص في الكادر الطبي". وفي حديث لـِ "المدن"، يشرح بدران أنّ "هناك نقصاً في جرّاحي الأعصاب وأطباء البنج والعظام والرأس وأطباء العناية الفائقة. ومع ذلك، هناك تكامل في العمل بين المستشفيات، إذ يتم التبادل بين الأطباء المتوافرين، أو نرسل بطلب بعض الأطباء من مدينة صيدا". ويشير بدران إلى أنّ "المستشفيات العاملة في منطقة النبطية هي: مستشفى الشيخ راغب حرب، ومستشفى الدكتور حكمت الأمين، بالإضافة إلى المستشفى الحكومي في النبطية. وهذه المستشفيات تستقبل اليوم الشهداء والجرحى. وعلى مستوى الجرحى، أغلب الحالات التي تصل إلى المستشفى لا تلبث أن تفارق الحياة بسبب صعوبة الإصابات التي تأتي معظمها بفعل المسيّرات التي تعتمد القذائف المتشظّية، وبالتالي، يأتي الجرحى مصابين بشظايا تخترق أجسادهم وتمزّقها".
من النبطية إلى صور، يتكرّر المشهد. ويشير الدكتور إبراهيم فرج، وهو طبيب في المستشفى اللبناني الإيطالي، إلى أنّ "المستشفيات لا تزال تعمل، وأخذت في الحسبان منذ اللحظة الأولى للعدوان، بأنّ ما يحصل ليس نزهة، وقد تطول الحرب". ولأنّ الوضع صعب، لم يقرّر عدد كبير من الأطباء البقاء في منطقة صور. وبحسب فرج، فإنّ عدداً من الأطباء بقي في المستشفيات، "خصوصاً الأطباء الذين لهم دور كبير في الحروب، كالجراحين واختصاصيي العظام وأطباء البنج، وغادر بعض أطباء الأطفال والأمراض النسائية وغيرهم، بالإضافة إلى بعض الممرّضين، لكن لا نقص على مستوى الكادر التمريضي".
بالرغم من صعوبته، لا يزال العمل مستمراً، ولا نقص في المستلزمات والمعدات الطبية، "ما دام الطريق مفتوحاً"، وهو ما يجمع عليه بدران وفرج، ويلفتان النظر إلى أنّ تأمين المستلزمات يتمّ بطريقتين: "إمّا عبر سائقين يتم إرسالهم لهذه الغاية، أو بعض الشركات التي تبدي شجاعة فترسل مندوبيها إلى الجنوب". علماً أنّه إلى جانب المستشفى اللبناني الإيطالي، لا يزال مستشفى جبل عامل ومستشفى حيرام يعملان بشكل طبيعي في صور. لكن على عكس المستشفى الحكومي في النبطية، فإنّ المستشفى الحكومي في مدينة صور يستقبل حالات مرضية طفيفة، وليس حالات حرجة ترتبط بإصابات الحرب، نظراً لغياب الإمكانيات الكافية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ مستشفى تبنين الحكومي لا يزال يعمل، إلاّ أنّه تعرّض يوم الثلاثاء لأضرار نتيجة اعتداء إسرائيلي وقع قربه. وأكّدت المتحدثة باسم جيش الاحتلال، إيلا واوية، أنّ "المستشفى لم يكن هدفاً للهجوم". وزعمت عبر منصة "إكس" أنّ جيش الاحتلال "يتخذ إجراءات احترازية قدر الإمكان للحد من هذه الحالات".
إقفال الصيدليات
تحوَّلَت قرى النبطية وصور بعد تدمير وإفراغ قرى الشريط الحدودي، إلى آخر المعاقل الجنوبية التي تنبض بالحياة. ومع تضاؤل أعداد السكّان المدنيين، وجد الكثير من الصيادلة أنّ بقاءهم غير مجدٍ. ووفق ما يقوله نقيب الصيادلة عبد الرحمن المرقباوي، فإنّ "عدداً كبيراً من الصيدليات أقفل أبوابه، والكثير تم استهدافه". أمّا مَن بقي من الصيادلة قادراً على فتح صيدليته "فيوفّر الدواء لمن بقي في منطقته". وحتى اللحظة "لا يزال تأمين الأدوية للصيدليات ممكناً، لكن بصورة قليلة جداً. والصيادلة يؤمّنون الأدوية بأنفسهم من صيدا وبيروت ومناطق أخرى، أو يرسلون سائقين لإحضار الأدوية". ويؤكّد المرقباوي في حديث لـ"المدن" أنّ "شركات الأدوية لا تصل إلى الجنوب". أمّا في حال تفاقم الوضع في المناطق التي لا زالت مأهولة، فإنّ "مزيداً من الصيادلة سيغلقون صيدلياتهم ويغادرون الجنوب".
لا شيء على حاله في الجنوب اليوم. هو ساحة حرب تحوّلت معها المستشفيات إلى جرعة الأمل الوحيدة لإنقاذ مَن بقي هناك، ليفتقد الجنوب بذلك، قطاعه الصحي الذي كان يعجّ بالمؤسسات والمراكز التي تقدّم الخدمات للجنوبيين. وبالرغم من ذلك، فإنّ هذه الجرعة مهدّدة مع احتمالات قطع ما بقي من طرق مؤدّية إلى الجنوب، خصوصاً إلى منطقة صور حيث لم يبقَ سوى جسر القاسمية.
خضر حسان - المدن
The post مستشفيات للجرحى والشهداء: الجنوب يفتقد قطاعه الصحي appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




