🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
214278 مقال 125 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 1572 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

من نقد الاستشراق إلى بناء معرفة محلية… الأنثروبولوجيا العربية في منظور المعزوز

معرفة وثقافة
سواليف
2026/06/06 - 13:57 501 مشاهدة

من نقد الاستشراق إلى بناء معرفة محلية… الأنثروبولوجيا العربية في منظور المعزوز

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

كتاب “الأنثروبولوجيا العربية” للباحث المغربي الدكتور محمد المعزوز يُعد محاولة جادة لتأصيل هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. ينطلق المؤلف من خلفية أكاديمية غنية في الدراسات الأدبية والمسرحية، ليؤسس لرؤية أنثروبولوجية سياسية وثقافية تستند إلى خصوصية التجربة العربية. يتناول الكتاب مسألة توطين الأنثروبولوجيا، أي جعلها أداة لفهم المجتمعات العربية من الداخل، عبر أدوات ومفاهيم تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. يحلل المعزوز أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، باعتبارها محاولات تأسيسية لأنثروبولوجيا عربية ذات جذور محلية. ويطرح سؤالًا محوريًا: هل هذه المؤلفات مجرد انعكاس للمد القومي والجوانية العربية، أم أنها مشروع علمي متكامل بأدوات منهجية رصينة؟ الكتاب يبرز التوتر بين الأنثروبولوجيا الكونية كعلم عالمي، وبين الحاجة إلى أنثروبولوجيا عربية تعكس خصوصيات المجتمعات المحلية. في النهاية، يقدم العزوزي رؤية نقدية تؤكد أن التوطين ليس انغلاقًا، بل هو مساهمة في إثراء الحقل العالمي عبر منظور عربي أصيل.

الدكتور محمد المعزوز باحث وأكاديمي مغربي، جمع بين تكوين أدبي راسخ وتجربة أكاديمية في المسرح والدراسات الثقافية، قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية. حصل على شهادات عليا في الأدب والمسرح، وشارك في مؤتمرات علمية دولية حول الثقافة والهوية. خبرته في المسرح منحته قدرة على قراءة المجتمع من خلال الأداء والتمثيل الرمزي، وهو ما انعكس لاحقًا في مقارباته الأنثروبولوجية. في مساره الأكاديمي، نشر المعزوز مقالات ودراسات في مجلات علمية محكمة، تناولت قضايا الهوية، الدين، والسلطة في المجتمعات العربية. كما ساهم في مشاريع بحثية جماعية حول الثقافة الشعبية والأنثروبولوجيا المقارنة.

كتابه الأخير “الأنثروبولوجيا العربية” يمثل خلاصة سنوات من البحث، حيث يسعى إلى تأصيل هذا الحقل في السياق العربي، مع إبراز دور رواد الفكر العربي في تأسيسه. يتميز أسلوبه بالجمع بين الدقة الأكاديمية والقدرة على طرح أسئلة نقدية عميقة، ما يجعله أحد الأصوات البارزة في النقاش حول مستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي. اليوم يُعتبر المعزوز من الباحثين الذين يسعون إلى بناء جسر بين الأدب والأنثروبولوجيا، وبين المحلي والكوني، في محاولة لإعادة تعريف موقع المعرفة العربية داخل الحقول العلمية العالمية.

يأتي كتاب “الأنثروبولوجيا العربية” للباحث المغربي محمد المعزوز في لحظة فكرية فارقة، حيث تتزايد الحاجة إلى إعادة قراءة المجتمع العربي بأدوات علمية تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. المعزوز، الذي راكم تجربة أدبية ومسرحية قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية، يطرح في مؤلفه الجديد مشروعًا طموحًا لتوطين هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. الكتاب لا يكتفي بالعرض النظري، بل ينخرط في حوار نقدي مع أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، ليكشف عن ملامح أنثروبولوجيا عربية تسعى إلى الجمع بين الخصوصية والانفتاح على الكوني. ومن هنا، يصبح الحوار مع المعزوز ضرورة لفهم خلفيات هذا المشروع وأسئلته الكبرى، خاصة في ظل النقاشات الراهنة حول مستقبل العلوم الإنسانية في العالم العربي.  ولأن الكتاب يثير أسئلة عميقة حول التأصيل، التوطين، والرهانات المعرفية، كان من الضروري أن نفتح معه حوارًا مباشرًا يسلط الضوء على خلفيات اختياراته، ويكشف عن رؤيته لمستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي.

في السطور التالية، نفتح معه نقاشًا حول أبرز القضايا التي أثارها كتابه الأخير.

لماذا تخصصت في الأنثروبولوجيا السياسية بعد أن راكمت تجربة تعيلمية وأكاديمية في الدراسات الأدبية؟

تخصصت في الأنثروبولوجيا السياسية من مدخل الفلسفة بعد حصولي على الإجازة موازاة مع حصولي على الإجازة في النقد الأدبي. ولمّا كان شغفي بالفلسفة يطغى على اهتماماتي بالنقد الأدبي وهذا ما انكشف في أطروحتي الأولى لنيل شهادة دكتوراه الدّولة في موضوع ” علم الجمال في الفكر العربي القديم”، قرّرت الاشتغال في الفلسفة المعاصرة، فتدرّجت مجدّدا في إعادة الدّراسة في سلك التّعليم العالي بالسوربون بباريس.  بعد حصولي على ديبلوم الدراسات المعمّقة ودكتوراه السلك الثالث حول موضوع ” القلق والاغتراب في الفلسفة المعاصرة”، انجذبت إلى الأنثروبولوجيا فسجلت مع “جورج بلانديي” دكتوراه الدّولة الثّانيّة في الأنثروبولوجيا السياسية حول موضوع “المضمرات السياسية في المغرب”، وكان يشترط أن يكون الطالب الذي يرغب في التسجيل معه، آنذاك، أن يكون حاصلا على ديبلوم الدّراسات العليا في الفلسفة.

 ما الدواعي التي حفزتك- في كتابك الأخير- على البحث في أصول الأنثروبولوجيا العربية؟

أمّا عن الحوافز التّي حملتني على الاشتغال في الأنثروبولوجيا العربيّة فهي متداخلة، ويمكن أن أجملها في ثلاثة عناصر. أوّلها اعتبرت ما فكّر فيه عبد الله حمودي وهو يدعو إلى أنثروبولوجيا عربيّة في كتابه ” المسافة والتّحليل” بخاصة، غير مكتمل. وأن هذه الدعوى تحتاج إلى تطوير من الدّاخل بالرّجوع، قبل كلّ شيء، إلى المصدر المؤسس للأنثروبولوجيا نفسها ممثّلا في الفلسفة. فلا يمكن أن نبلور أنثروبولوجيا عربية بدون الاستناد إلى أصولها، باعتبار مرتكزات الفلسفة القائمة على السؤال والتجريد والحجاج شروطا أصليّة في منح الأنثروبولوجيا قوة الملاحظة ونجاعة التّأويل.

 ثانيها، أن مفهوم المسافة يحتاج إلى تطوير مشروط بالمثاقفة. فليس مفهوم المسافة هنا يعني الحذر والحيطة من السقوط في دوائر الأسئلة والنّظريات الغربيّة فقط، وإنّما يعني بالأساس الاستثمار في الأدوات التي تجعل من الوعي بضرورة الاستقالة من هيمنة النّظريات الاجتماعية الغربيّة خلفيّة للمثاقفة وبناء حوار عادل بين المنتوج الأنثروبولوجي العربي وبين ما هو مكرّس في النّظريات الغربية.

ثالثها، أن التطوّرات العميقة التّي تشهدها المجتمعات العربيّة، في سياق الثورات التّكنولوجية والرقميّة ووسائل التواصل، تقتضي فهما مختلفا يتجاوز التصور التقليدي لمعاني الرموز والطقوس التّي ينتجها الإنسان العربيّ. لأن من طبيعة المعاني التحوّل بالرغم من أن أسسها الثقافية العميقة أو الصلبة تظلّ ثابتة في الذّاكرة ولو بتفاوت أو بشكل نسبي. لكن فهم المعاني التي ينتجها الإنسان العربيّ اليوم وكيفية بنائه للرموز إما مطورة من سابقتها أو مبتكرة، يظل ضرورة من أجل الفهم الأشمل للاتّجاه الذي تسير فيه المجتمعات العربيّة وفحص سؤال تغير الهوية أو بقائها على صورتها التقليديّة. 

هذه الأسئلة الكبرى مجتمعة، تدعو إلى استنفار تخصّصات العلوم الاجتماعية، ومنها الأنثروبولوجيا. غير أنّه ينبغي أن يكون استنفارا مقيّدا بشرط تأصيل هذه العلوم، أي توطينها سعيا إلى ملاءمة نتائجها مع حقائق المجتمعات العربيّة وطبيعة ما يفكّر فيه الفرد العربي وما ينتجه من رموز ومعان

ما العوائق التي تعترض مسيرة الأنثروبولوجيا العربية؟

أظنّ أنّه يصعب في الدراسات العربيّة الخاصة بالعلوم الاجتماعية الحديث عن وعي عملي بالفروقات التّي تحمله المكوّنات أو التخصّصات الدّقيقة التّي تحملها هذه العلوم. فهناك داخل الدّرس الأكاديميّ والبحثيّ العربي خلط بين موضوع الأنثروبولوجيا وموضوع علم الاجتماع. بل من داخل الموضوع الأنثروبولوجي هناك خلط بين الأثنوجرافيا والإثنولوجيا. ومن ثمّ، ساد التّذبذب والغموض في الدراسات المنتسبة للعلوم الاجتماعية بعامة وللأنثروبولوجيا بخاصة. أمّا عن التّمايزات أو الفروقات بين الأنثروبولوجيا الثقافيّة والأنثروبولوجيا الاجتماعية، فهي متحقّقة من جهة المنهج والهدف من الدّراسة. ولكنّهما متداخلان من حيث التخصّص والمنظور المعرفي. فإذا كان موضوع  الأنثروبولوجيا الثقافية مرتبطا بالإستشكال الثقافي الذّي يحكم الاجتماع البشري عبر الرموز والطّقوس والتمثلات في علاقتها بمعنى الحياة، فإن موضوع الأنثروبولوجيا السياسيّة هو السّلطة في مختلف أبعادها وتجلياتها في الدّولة، والمجتمع، والجماعات المصغّرة والأفراد. غير أن السّلطة بكلّ أشكالها تظل في نهاية التحليل مضبوطة بمنظومات ثقافيّة تمتاح منها شرعيتها وتتقوّى بها في تثبيت سيرورتها وفرض هيمنتها. لذلك، تعتبر الأنثروبولوجيا السياسية في أدبيات العلوم الاجتماعية وليدة الأنثروبولوجيا الثقافية، ومنها استرفدت مفاهيمها في تحليل السلطة السياسيّة. وعليه تعتبر العلاقة بينهما جدليّة تفاعليّة، فكلاهما يتبادلان التأثّر والتّأثير من خلال الرّموز والمعاني التّي تتقوّم بها الحياة الاجتماعية.

    كيف يمكن للأنثروبولوجيا العربية أن تسهم في إعادة تعريف الهوية العربية بعيدا عن ثانئية ” الذات/ الآخر” التي طبعت الدراسات الكولونيالية؟

يعتبر سؤال الهويّة من الإشكاليات التّي لم يُحسم أمرها في الدّرس الأنثروبولوجي العربي. لأنّه ظل رهين النظرة الكولونيالية المستعليّة التّي نمذجت المجتمعات العربيّة في قوالب دونيّة أرادت لها أن تكون حقائق مطلقة. والأصل في هذه النّظرة صناعة هيمنة كولونيالية مستمدّة من تصوير مصطنع لتكريس الطّاعة والتّبعيّة وفق منطق تحكمه ثنائيّة “الدّونيّ- العربيّ والمستعليّ- الغرب”. وهذا ما تطرّق إليه إدوارد سعيد في نقده للاستشراق باعتباره أطروحة فكرية غربيّة مناورة اتّخذت من المعرفة غطاء لتحقيق طموحاتها في الهيمنة وتثبيتها.

هنا يأتي دور الأنثروبولوجيا العربيّة ” المُوَطَّنة” في إعادة صياغة مفهوم مختلف للهويّة العربية يقوم على نقد مزدوج لهذه الثنائية. أولا، تفكيك السّرديّة المتحيّزة إلى الهويّة الجوهرانيّة وهو تحيّز متحجّر، وثانيا تفكيك المركزية الغربية باعتبارها منظومة معرفيّة استعلائية طامسة للحقيقة. وعليه، فالذّي يظلّ منوطا بالأنثروبولوجيا العربيّة نجاحها في التّنظير إلى الهويّة كنسق اجتماعي وثقافي قابل للتحوّل ويتأسّس على التفاعل والتناوب بحسب اختلاف السياقات وضوابطها. من خلال هذا النّقد المزدوج يصبح السّؤال الأصح من داخل الأنثربولوجيا العربيّة المُوَطّنة مصاغا على النحو التّالي: كيف يُعاد بناء معنى العروبة وصوغ مسلكيات معرفية وسلوكية من داخل المعيش الاجتماعي؟ هذا السّؤال المركزيّ يحيل مباشرة إلى تحدّي الاعتراف بالتنوّع الثقافي واللغوي الذّي تزخر به المجتمعات العربيّة، عوض طغيان السرديّة التقليدية التي تعتبر الهوية العربيّة مجسّدة في الوحدة الثقافية واللغوية ضاربة بعرض الحائط معطى ثراء التعدّد الذي تزخر به المجتمعات العربيّة. بهذا النّقد إذن، تصبح ثنائية الذّات والآخر شبكة من العلاقات المتقاطعة لا يستطيع أحد طرفيها أن يكون مستعليا أو منقطعا عن الآخر، وهذا بضغط من ثورة تكنولوجيا الاتصال والذّكاء الاصطناعي التّي ألغت الحدود والفواصل وصعوبة الحصول على المعلومة.       

 هل ترى أن تأصيل الأنثروبولوجيا العربية هي استجابة لهيمنة النموذج الغربي؟ أيمكن اعتبار الأولى امتداد للثانية أم قطيعة معرفية معها؟

يعتبر هاجس تأصيل الأنثروبولوجيا العربيّة مركزيا في أفق ترسيخيّ لمعرفة أنثربولوجية قادرة على محاورة الأنثروبولوجيا الغربيّة.  لكنّ الملاحظ أن هذا الوعي ضحل لأسباب كثيرة. إذ لا نجد كتابات نظرية وافرة تخصّ توطين الأنثروبولوجيا العربيّة. بل يظلّ هذا البعض القليل محسوبا على رؤوس الأصابع. وأبرزه ما صاغه عبد الله حمودي في ” المسافة والتّحليل” وهو يدعو بصريح العبارة إلى فعل التّوطين استشعارا منه بضرورة فهم المجتمع العربي وفقا لرؤية داخلية مستقلة عن سلطة المؤسسة الأكاديميّة، دون نفيها أو التنكّر لقيمتها الأكاديميّة. لقد سبقته في هذا المسعى محاولات لم يكتب لها التحقق بسبب انقطاع التراكم والخلط بين موضوع السوسيولوجيا وموضوع الأنثروبولوجيا. وهنا نقف عند البدايات المؤسسة التّي لم تُفهم ابعادها العلميّة ولم يُكتب لها التطوير والمواكبة حتّى تستقيم في تصوّر توطيني شامل. ومنها محاولة السيّد عويس وهو يدرس الرّسائل التّي كان يوجّهها عامة النّاس إلى قبر الإمام الشّافعي، وكتابات عبد الوهاب بوحذيبة في دراسته للجسد في علاقته بالدّين، وتنظيرات طلال أسد وغيرهم. ظلت هذه المجهودات محدودة أمام تحدّي التّوطين والاستقلال عن التبعيّة النّظريّة للغرب.

ومادام التّوطين يظلّ حاجة معرفيّة عربيّةّ، فهو يتوخّى علميا أخذ كلّ الحذر أمام التقليعات والفذلكات التّي تدعو إمّا إلى مقاطعة الإرث النظري الأنثروبولوجي الغربي، وإمّا بالعودة الجوهرانيّة إلى التراث، والتمسّك بالأسماء البارزة فيه كابن خلدون وعدد من الرحّالة الذين درج كثير من الدّارسين متونهم في خانة السير الذاتية بالمعنى الأنثروبولوجي. هذا ما حاول عبد الله حمودي التّنبيه إليه في كتابه ” المسافة والتحليل” الإجابة عنه، وهو الدّور الذي قمت به في كتابي ” الأنثروبولوجيا العربيّة- سؤال التّوطين”.

إن الوعي بتوطين الأنثروبولوجيا العربيّة، أو بتأصيلها، نابع من الحاجة إلى الانتقال من تفسير المجتمعات العربيّة بعُدَدٍ نظرية ومفهومية مضبوطة بسياق غربي ومشروطة بثقافته، إلى تفسيرها بأدوات داخلية بلوغا لفهم أصوب للبنيات العميقة التّي تتحكّم فيه. ص غير أن هذا لا يعني الوقوع في جوهرانيّة عربيّة تنتصر إلى ” العربي” باعتباره تاريخا وهويّة، وإنّما استنصارا إلى العلميّة التي تقوم على الانفتاح والتثاقف والاعتراف بالآخر مع وجود مسافة نظرية ومفهوميّة مستقاة من الواقع العربي نفسه.

ما طرحته في كتابي ” الأنثروبولوجيا العربيّة- سؤال التّوطين” وقوفا عند بعض الدّراسات السّابقة، لا يعني اكتمالا لفكرة التّوطين أو الملاءمة نفسها. وإنّما محاولة اجتهاد في وضع الأسس التّي يقوم عليها التّوطين. لأن التوطين يستدعي تراكما في البحث الميداني المقرون باستنباط النظرية والمفاهيم النابعين من الميدان العربي ذاته تجنبا لأي اجترار أو إسقاط لنظريات ومفاهيم مستخلصة من واقع مجتمعات مغايرة. هذا ما ركّزت عليه في سياق حديثي عن معنى ” المحلّيّة” العربية ودلالاتها وأبعادها الاثنوجرافية في ارتباطها بالمفهوم الذي حاولت بلوته والذي وسمته بـ” التفصيل الفلسفي”. وبالرغم من ذلك، ومما سبق من دراسات، يظلّ رهان التّوطين متعثّرا لأنّه يقتضي كثيرا من الاجتهاد في النّظر وفي إقامة منهج أكثر تطوراً، لأنّ زمن المجتمعات العربيّة اليوم يختلف عن سابقه بتأثير من سرعة الثورات التكنولوجية والرقمية والتواصلية. وهذا يستدعي جهدا مضافا لا يكتفي بالمثاقفة والوعي بالمسافة، وإنّما بالبحث عن إمكانات فكرية ومفهوميّة خلاقة تفاعلا مع هذه الثورات التكنولوجيا المزلزلة.

ما الفرق بين ” توطين الأنتربولوجيا” بصفته مسعى معرفيا وبين “الانتربولوجيا الكونية” باعتبارها علما له أدوات ومناهج موحدة؟ هل يمكن الجمع بينهما دون الوقوع في فخ الخصوصية المفرطة أو التبعية المطلقة؟

لا بدّ من التأكيد على أنّ هناك تفاوتا بين مطلب التّوطين والكونيّة. ولا يعبّر هذا التفاوت عن تباين في المنهج والمنظور، وإنّما له صلة باستشكال ملتبس يخصّ أصل المعرفة نفسها وشرعية التحليل ونفاذية المفاهيم في سياقات ثقافيّة متحوّلة. فإذا كان هدف التّوطين إعادة بناء المفاهيم وأدوات البحث انطلاقا من أسئلة المجتمع نفسه وحاجاته، فإنّ الكونيّة تفترض دراسة القضايا والظواهر رغم تباينها وتناقضها بأدوات ومناهج متقاطعة ومشتركة تمكّن من فضيلة المقارنة واقتناص المشتركات الإنسانيّة.

لا بدّ من التّأكيد على أنّ التقنيات والمناهج التّي تعتمدها الأنثروبولوجيا تظل مشتركة في التفسير العلمي لدى الدّارسين في العالم. فالاشتغال الميداني والملاحظة بالمشاركة والمعايشة والمقابلة وتحليل الرموز والطّقوس، كلّها تقنيات لم تعد حكرا على ثقافة ومعرفة مخصوصتين، بل هي جميعها آليات معرفية ومنهجيّة تحظى بشرعية الإشتغال بها في مختلف المجتمعات.   

أظن أن كتابي ” الأنثروبولوجيا العربيّة – سؤال التّوطين” يسعى إلى التلاؤم مع التحدّيات الجديدة التّي تحملها تغيرات المجتمعات العربيّة. وذلك انطلاقا من واقع تغير الرموز وتجديد المعاني وتحوّلات الأفراد في علاقاتهم بذواتهم وبالآخر. وهذا أمر ينسحب على كافة مجتمعات العالم، إذ لم تعد المجتمعات الإنسانيّة كما كانت في الماضي القريب. لقد جرفتها سرعة الثورات الرّقميّة وتصاعد إيقاعاتها، مما جعل مفاهيم العلوم الاجتماعية، اليوم، ومنها الأنثروبولوجيا، قاصرة عن فهم الكيفيات التي تحدث بها تغيرات الإنسان والمجتمع. بمعنى أن هذه العلوم تشهد اليوم أزمة عميقة، نظريا ومنهجيا، وينتظر منها أن تتجدّد حتّى تكون مواكبة للعصر وناجعة في تحقيق الأهداف. وتلك فرصة فريدة بالنسبة للأنثروبولوجيا العربية كلّما وعت هذه الأزمة واعتمدت على إمكاناتها في تحقيق التفرّد وبناء أصالتها الخاصة. في هذا الاتّجاه، اقترحت في مسألة التّوطين انطلاقا من مبدإ ” المحلّيّة العربيّة” مقتربا ثلاثيّا يقوم على ثلاث قواعد، وهي: التّحليل الفلسفي والتّحليل التّاريخي والتحليل النّفسي. ونظرا لاشتمال هذه القواعد الثلاث على كل الأبعاد التّي تحدّد الفهم والتمثّل والسلوك والإنتاج لدى الأفراد، اعتبرتها في كتابي “الأنثروبولوجيا العربيّة – سؤال التّوطين” مبادئ مؤسسة للتّوطين، وكلّ إخلال بواحد من هذه القواعد يبطل جزءا من الإنسان- الفرد، سواء أ كان عربيا أم غير عربيّ، لأنّها مبادئ دالة على الاشتراك والشّمولية.

هذا المحتوى من نقد الاستشراق إلى بناء معرفة محلية… الأنثروبولوجيا العربية في منظور المعزوز ظهر أولاً في سواليف.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free