لم يكن أنس عاكف اشتية، من بلدة سالم شرق نابلس، يتوقع أن يتحول اليوم الذي انتظره طويلًا إلى محطة جديدة في مسيرة الاعتقال والملاحقة. فبدلًا من أن يرتدي ثوب العريس ويستقبل المهنئين، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل عائلته قبل ساعات من موعد زفافه واعتقلته مجددًا، لتتحول ليلة الفرح إلى مشهد امتزجت فيه الدموع بالصدمة، وتبقى قاعة الزفاف شاهدة على مناسبة لم تكتمل.
وبحسب رواية عائلته، فإن اعتقال أنس فجر يوم الجمعة 7/24 قبل ساعات قليلة من زفافه، لم يكن حادثة معزولة، بل جاء امتدادًا لسنوات من الاستهداف الذي طال أفراد الأسرة، سواء عبر الملاحقات والاعتقالات المتكررة من قبل قوات الاحتلال، أو الأحداث التي رافقت ملاحقة الأجهزة الأمنية الفلسطينية لبعض أفراد العائلة، ولا سيما شقيقه مصعب المعتقل منذ عام 2022، وما ترتب على ذلك من آثار اجتماعية ونفسية.
وتقول العائلة إن منزلها في بلدة سالم تحول خلال السنوات الماضية إلى هدف متكرر للاقتحامات والتفتيش، وإن أفرادها لم يسلموا من الاعتقال أو الاستدعاء أو المداهمات، ما جعل حياتهم اليومية قائمة على حالة دائمة من القلق والترقب.
وتضيف أن الاحتلال اعتقل أنس مرات عدة، وأمضى فترات مختلفة في السجون الإسرائيلية، كما تعرض شقيقاه خالد وصهيب للاعتقال، فيما اعتُقل والده عاكف بعد اقتحام منزل العائلة، لتتواصل سنوات الفراق بين الأب وأبنائه خلف القضبان.
وترى العائلة أن أكثر المحطات قسوة كانت تلك التي سبقت زفاف أنس بساعات، حين اقتحمت قوات الاحتلال المنزل واعتقلته، فتحولت الليلة التي كان يفترض أن تكون بداية لحياة جديدة إلى يوم آخر من الألم. وتقول إن تجهيزات الزفاف بقيت في مكانها، بينما غاب العريس ليبدأ فصلًا جديدًا خلف القضبان.
ولا تقتصر معاناة الأسرة، وفق أفرادها، على ممارسات الاحتلال، إذ يشيرون إلى أن السنوات الماضية شهدت كذلك ضغوطًا كبيرة رافقت ملاحقة الأجهزة الأمنية الفلسطينية لبعض أفراد العائلة، وما نتج عنها من اقتحامات واعتقالات وتوترات، معتبرين أن هذه الأحداث ضاعفت الأعباء النفسية والاجتماعية التي تواجهها الأسرة.
وتؤكد العائلة أن ما عاشته لم يكن مجرد سلسلة من الاعتقالات، بل نمط حياة أعيد تشكيله تحت وطأة الملاحقة المستمرة؛ إذ باتت كل مناسبة عائلية مهددة، وكل فرحة مؤجلة، وكل طرق على باب المنزل يثير مخاوف من اقتحام جديد أو اعتقال مفاجئ.
وتشير إلى أن أطفال الأسرة نشأوا على مشاهد الجنود وهم يقتحمون المنزل ليلًا، وعلى لحظات وداع الآباء والأشقاء أثناء اقتيادهم إلى السجون، فيما تحملت النساء مسؤولية الحفاظ على تماسك الأسرة في ظل الغياب المتكرر للرجال بسبب الاعتقال.
وترى العائلة أن اعتقال أنس في يوم زفافه لم يستهدفه وحده، بل امتد أثره إلى الأسرة بأكملها، بعدما حُرمت من لحظة انتظرتها طويلًا، وتحولت مناسبة كان يفترض أن تجمع الأقارب والأصدقاء إلى يوم يطغى عليه الحزن والصدمة.
وبحسب العائلة، كان أنس يأمل بعد سنوات الاعتقال أن يبدأ حياة مستقرة ويؤسس أسرته، إلا أن اعتقاله مجددًا بدد تلك الآمال، وترك عروسه وأفراد عائلته أمام واقع جديد عنوانه الانتظار، كما حدث في محطات سابقة عاشتها الأسرة.
وتختتم العائلة حديثها بالتأكيد على أن قصتها ليست حالة استثنائية بين العائلات الفلسطينية، لكنها تجسد حجم تأثير الاعتقال المتكرر والملاحقات المستمرة على تفاصيل الحياة اليومية، حين تتحول الأفراح إلى محطات جديدة من الألم، ويبقى الأمل معلقًا بيوم يجتمع فيه أفراد الأسرة بعيدًا عن السجون والمداهمات والخوف.
قدس برس


