من التنسيق إلى الشراكة: دمشق وعمّان ترسمان معادلة تكامل إقليمي جديد
تمضي العلاقات السورية الأردنية نحو إعادة تعريف عميقة لوظيفتها السياسية والاقتصادية، متجاوزة منطق إدارة الأزمات إلى بناء منظومة شراكة استراتيجية متكاملة.
وفي هذا السياق، تأتي الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى بين البلدين، المزمع عقدها في عمّان غدا، لتعكس انتقال العلاقة من إطار التنسيق التقليدي إلى فضاء التكامل المؤسسي طويل الأمد.
ويشكل انعقاد مجلس التنسيق الأعلى على المستوى الوزاري، بمشاركة وفدين يمثلان نحو عشرين قطاعاً حيوياً،

حدثاً نوعياً يجسد إرادة سياسية مشتركة لتأسيس بنية مؤسساتية صلبة للعلاقة الثنائية.
فالمجلس، الذي انبثق عن مذكرة التفاهم الموقعة في دمشق في أيار 2025، يشكل منصة دائمة لإدارة المصالح المشتركة وفق مقاربات عملية، تقوم على التخطيط المرحلي وتحديد الأولويات التنفيذية.
وقد أظهرت الاجتماعات التحضيرية للجان الفنية، التي سبقت انعقاد الدورة الحالية، مستوى متقدماً من التنسيق التقني، بما يعكس انتقال التعاون من الطابع السياسي العام إلى التفاصيل التنفيذية الدقيقة، وهو ما يعد مؤشراً على نضج العلاقة وتبلور أدواتها.
ويشير التطور الراهن في العلاقات السورية الأردنية إلى تحول نوعي نحو توظيف الجغرافيا بين البلدين ضمن رؤية جيو-اقتصادية أوسع، فدمشق وعمّان تسعيان إلى تحويل موقعهما المشترك إلى عقدة ربط إقليمي في مجالات النقل والطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية.
وفي هذا السياق، يكتسب تفعيل اتفاقيات النقل والتعاون الثلاثي مع أطراف إقليمية أخرى أهمية مضاعفة، إذ يتجاوز البعد الثنائي ليؤسس لشبكة ترابط إقليمي تعزز من انسيابية حركة البضائع والمسافرين، وترفع من كفاءة البنية التحتية، وتفتح آفاقاً جديدة للاستثمار المشترك.
ولا يمكن فصل هذا الحراك عن السياق الأوسع المتعلق بدعم جهود التعافي وإعادة البناء في سوريا، فتعميق الشراكة مع الأردن يوفر لدمشق منفذاً اقتصادياً مهماً، ويعزز من قدرتها على استعادة دورها في شبكات التجارة الإقليمية، في حين يحقق لعمّان مكاسب استراتيجية تتمثل في تنشيط اقتصادها وتوسيع أسواقها، وتعزيز أمنها الحدودي.
وقد أظهرت مخرجات الدورة الأولى للمجلس التي انعقدت في دمشق، توافقاً واضحاً على خريطة طريق عملية تجمع بين الأهداف قصيرة الأمد، كتنشيط التبادل التجاري، وأخرى طويلة الأمد، تتعلق ببناء مشاريع تكاملية في قطاعات الطاقة والنقل والصناعة.
سياسياً، تعكس هذه الدينامية إدراكاً متبادلاً بأن استقرار سوريا يشكل ركيزة لاستقرار الأردن، وأن أمن البلدين مترابط بحكم الجغرافيا والتاريخ، ومن هنا، فإن تطوير العلاقات لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يمتد ليشمل تنسيق المواقف حيال القضايا الإقليمية، بما يعزز من قدرة الطرفين على التعامل مع التحديات المشتركة.
كما أن انتظام اجتماعات مجلس التنسيق الأعلى يبعث برسالة واضحة مفادها أن العلاقة دخلت مرحلة الاستقرار المؤسسي، بعيداً عن التقلبات الظرفية، وأنها تتجه نحو ترسيخ نموذج من التعاون القائم على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ.
الوطن- أسرة التحرير





