مكتبات النجف.. تراث ألف عام من المخطوطات النادرة (صور)
شفق نيوز- النجف
تُعد مكتبات النجف خزائن حية للمعرفة الإنسانية والإسلامية، بما تضمه من مخطوطات ووثائق نادرة يمتد عمر بعضها لأكثر من ألف عام، وتتنوع هذه النفائس بين كتب حجرية ومخطوطات خالية من التنقيط وآيات قرآنية دونت على وسائط غريبة كجلد الأفعى وحتى حبات الأرز.
وتتوزع هذه الحواضر المعرفية بين الأزقة العتيقة المزينة بـ"شناشيلها" الخشبية في قلب مدينة النجف، التي تبعد نحو 160 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة بغداد.
وفي محاولة لسبر أغوار هذه الكنوز، أجرت وكالة شفق نيوز جولة شملت الخزانات (العلوية والحيدرية والحسن وكاشف الغطاء)، لتعيد القارئ بذاكرته قروناً إلى الوراء.
الخزانة العلوية
واستهلت الجولة بزيارة الخزانة العلوية، حيث يوضح مسؤول وحدة البحوث والدراسات فيها، علي لفتة العيساوي، أن الخزانة تتبوأ المرتبة الثانية كأقدم خزانة كتب في العراق بعد المتحف الوطني، إذ يعود تأسيسها إلى القرن الرابع الهجري على يد عضد الدولة البويهي المتوفى سنة 372 هـ، الذي دعمها بالمخطوطات النفيسة.
ويضيف العيساوي لوكالة شفق نيوز، أن مقتنيات الخزانة تنقسم إلى قسمين رئيسيين، الأول يضم المصاحف الشريفة التي تُعد من أنفس المصاحف في العالم، إذ كانت تُهدى من الملوك والسلاطين عند زيارتهم مرقد الإمام علي، ومن بينها مصاحف منسوبة إلى كبار الخطاطين مثل ياقوت المستعصمي والسهروردي والصيرفي، فضلاً عن مصاحف رقّية تجاوز عمرها ألف عام، أبرزها مصحفان منسوبان إلى الإمام علي وولده الإمام الحسن.
أما القسم الثاني فيضم المخطوطات الألفية التي كُتبت قبل أكثر من ألف عام، حيث تمتلك الخزانة نحو 15 نسخة خطية منها، إضافة إلى مخطوطات دوّنها علماء الحوزة العلمية لقربها من مرقد الإمام علي، بينها مؤلفات منسوبة للشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هـ، وأخرى للعلامة الحلي.
ويبيّن العيساوي أن العتبة العلوية باشرت بعد عام 2003 بإنشاء مركز متخصص لتصوير وترميم المخطوطات باستخدام أجهزة حديثة، كما رفدت الخزانة بأربعة آلاف مخطوطة إضافية، وأصدرت سبعة مجلدات فهارس توثق هذه الكنوز العلمية.
ويشير إلى أن أقدم مخطوطة محفوظة هي المصحف المنسوب إلى الإمام علي المكتوب بالخط الكوفي من دون تنقيط، فيما يبلغ مجموع المخطوطات نحو ثمانية آلاف مخطوطة تشمل مختلف العلوم، منها الفقه والأصول والطب والفلك والكيمياء والرياضيات وسائر المعارف الإنسانية.
المكتبة الحيدرية
وكانت الزيارة الثانية إلى المكتبة الحيدرية، حيث يقول مسؤول المكتبة الورقية فيها، علي كاظم حمد، إن توجيهات مكتب المرجع الديني الأعلى علي السيستاني، أسهمت في افتتاح المكتبة الحيدرية عام 2005، والتي كانت تضم عند تأسيسها نحو ثمانية آلاف كتاب، قبل أن يرتفع عدد مقتنياتها اليوم إلى أكثر من 350 ألف كتاب.
ويضيف حمد لوكالة شفق نيوز، أن المكتبة استقبلت نحو 130 مكتبة شخصية أُوقفت لصالحها، فضلاً عن ثمانية آلاف رسالة جامعية، فيما تضم قرابة 450 ألف عنوان متخصص بسيرة الإمام علي.
ويشير إلى أن عدد رواد المكتبة يصل شهرياً إلى نحو ألفي زائر، كما تحتوي على أكثر من 400 عنوان مجلة علمية ودينية مفتوحة أمام مختلف الطوائف والأديان، لافتاً إلى أن أقدم مطبوع محفوظ فيها يعود إلى عام 1880 ويحمل اسم "مجلة الجنان".
مكتبة الحسن
وبعد المكتبة الحيدرية انتقل مراسل الوكالة إلى مكتبة الحسن، وقال مسؤولها الشيخ مهدي باقر القريشي، إن المكتبة بدأت بعشرات الكتب فقط قبل أن تتحول مع مرور الزمن إلى واحدة من أكبر مكتبات النجف، إذ تضم اليوم أكثر من 100 ألف كتاب يرتادها طلبة الحوزة العلمية وطلبة الدراسات العليا من مختلف الجامعات العراقية، فضلاً عن احتضانها دروساً دينية داخل أروقتها.
ويبيّن القريشي لوكالة شفق نيوز، أن المكتبة تضم مخطوطات نادرة يتجاوز عمر بعضها 700 عام، إضافة إلى مخطوطة لكتاب "نهج البلاغة" أُهديت من الهند، فضلاً عن مخطوطة أخرى تجاوز عمرها ألف عام، مشيراً إلى أن أحد مؤسسي المكتبة، العلامة الشيخ باقر القرشي، ألّف نحو 100 عنوان علمي.
مكتبة كاشف الغطاء
وكانت المحطة الأخيرة في مكتبة كاشف الغطاء، واللقاء مع مسؤولها الشيخ أحمد كاشف الغطاء الذي قال إن المكتبات قبل عام 2003 عانت ظروفاً صعبة، خصوصاً بعد عام 1991، حيث استُخدمت بعض المخطوطات وقوداً لإشعال النار، فيما تعرضت أخرى لأضرار نتيجة إطلاقات نارية لا تزال آثارها واضحة على صفحاتها.
ويضيف المسؤول لوكالة شفق نيوز، أن مكتبة الشيخ الطوسي تمكنت من تصوير نحو 55 ألف نسخة خطية، وهو رقم كبير يعكس أهمية المخطوطات العراقية التي ما تزال أجزاء واسعة منها غير مفهرسة، مشيراً إلى فهرسة وتصوير ما يقارب ثمانية ملايين صورة ووثيقة تاريخية، طبع الجزء الأول منها والعمل مستمر لإصدار أجزاء أخرى.
ويشير إلى أن المكتبة تضم أكثر من 40 ألف كتاب، بينها ألف نسخة نفيسة، إضافة إلى أقدم نسخة للصحيح البخاري بطبعته الأولى، والطبعة الأولى للكتاب المقدس (الإنجيل) المطبوعة في برلين، فضلاً عن نسخة مترجمة إلى العربية تعود إلى عام 1600 ميلادي.
جدير بالذكر أن النجف تعد المدينة الخامسة في العراق من حيث عدد السكان، وتكتسب قدسية ومكانة كبرى لوجود مرقد الإمام علي بن أبي طالب، مما جعلها مركزاً دينياً وعلمياً عالمياً (الحوزة العلمية) ومقصداً لملايين الزوار سنوياً.




