مكافحة الفساد.. حين تصبح موسما سياسيا #عاجل
•معن علي المقابلة * الدول التي تُدار بالمؤسسات، تكون مكافحة الفساد فيها وظيفة يومية هادئة: قوانين واضحة، قضاء مستقل، رقابة دائمة، ومحاسبة لا تستثني أحدًا.
•أما في الدول التي تتحول فيها السياسة إلى إدارة للأزمات، فإن مكافحة الفساد تظهر غالبًا كحدث استثنائي، صاخب، ومشحون بالدعاية، ثم تختفي بالسرعة نفسها التي ظهرت بها.
•المشكلة ليست في اعتقال فاسدين أو استعادة أموال عامة، فذلك مطلب مشروع وضروري.
هذا الخبر من jo24. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
كتب د. معن علي المقابلة *
الدول التي تُدار بالمؤسسات، تكون مكافحة الفساد فيها وظيفة يومية هادئة: قوانين واضحة، قضاء مستقل، رقابة دائمة، ومحاسبة لا تستثني أحدًا. أما في الدول التي تتحول فيها السياسة إلى إدارة للأزمات، فإن مكافحة الفساد تظهر غالبًا كحدث استثنائي، صاخب، ومشحون بالدعاية، ثم تختفي بالسرعة نفسها التي ظهرت بها.
المشكلة ليست في اعتقال فاسدين أو استعادة أموال عامة، فذلك مطلب مشروع وضروري. المشكلة تبدأ عندما تصبح الحملة انتقائية، مرتبطة بتوقيت سياسي محدد، وتُقدَّم بوصفها إنجازًا شخصيًا للزعيم لا بوصفها عملًا مؤسسيًا للدولة. عندها يحق للمواطن أن يسأل: لماذا الآن؟ ولماذا هؤلاء تحديدًا؟ ولماذا تتوقف المحاسبة عند حدود معينة؟
التاريخ السياسي الحديث مليء بأمثلة استخدمت فيها شعارات مكافحة الفساد لإعادة ترتيب مراكز القوة، أو لتلميع صورة القيادة، أو لتهيئة الرأي العام لقرارات كبرى قادمة. فالحملة التي لا تنطلق من إصلاح جذري للنظام الإداري والقضائي، بل من قرارات فوقية مفاجئة، تكون أقرب إلى إدارة سياسية للصراع منها إلى مشروع وطني للإصلاح.
في العراق، يقدَّم ما يقوم به رئيس الوزراء علي الزيدي من اعتقال عدد من المتهمين بالفساد بوصفه خطوة جادة لاستعادة هيبة الدولة. غير أن السؤال الحقيقي ليس كم شخصًا اعتُقل، بل هل أصبحت المحاسبة قاعدة دائمة تشمل جميع مراكز النفوذ، أم أنها حملة مرتبطة بمرحلة سياسية معينة؟ فالدولة لا تُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية، بل بقدرتها على بناء منظومة تمنع الفساد قبل وقوعه.
وفي السعودية، شكّلت حملة الريتز كارلتون عام 2017 واحدة من أكثر حملات مكافحة الفساد إثارة للجدل في المنطقة. فقد احتُجز أمراء ورجال أعمال ومسؤولون بارزون، وأُعلن عن استعادة مليارات الدولارات للدولة. أنصار الحملة رأوا فيها لحظة حاسمة لاسترداد المال العام، لكن منتقدين اعتبروها أيضًا عملية لإعادة توزيع النفوذ وترسيخ سلطة القيادة الجديدة. وبين الروايتين يبقى السؤال الأهم: هل أصبحت مكافحة الفساد بعدها مؤسسة مستقلة دائمة، أم بقيت مرتبطة بإرادة السلطة السياسية وحدها؟
الخطر في الحملات الموسمية أنها تمنح الانطباع بأن الفساد مشكلة أشخاص يمكن التخلص منهم دفعة واحدة، بينما الحقيقة أن الفساد غالبًا ما يكون نتاج نظام كامل من العلاقات والمصالح والحصانات. اعتقال أفراد قد يحقق أثرًا إعلاميًا سريعًا، لكنه لا يضمن تغيير قواعد اللعبة التي سمحت بظهورهم أصلًا.
عندما تُستخدم مكافحة الفساد لتلميع صورة الحاكم، أو للحصول على شرعية لخطوة سياسية قادمة، أو للتغطية على أزمة أعمق، فإنها تتحول من أداة إصلاح إلى أداة سلطة. عندها لا يعود الهدف اقتلاع الفساد من جذوره، بل إدارة صورته أمام الجمهور.
الفرق بين الدولة التي تحارب الفساد حقًا، والدولة التي تستخدمه شعارًا، بسيط وواضح: الأولى تجعل المحاسبة قاعدة لا موسمًا، والثانية تجعلها حدثًا استثنائيًا ينتهي بانتهاء الحاجة السياسية إليه. وفي عالمنا العربي، يبدو أن المشكلة ليست في ندرة حملات مكافحة الفساد، بل في كثرتها؛ إذ تتكرر الحملات، تتغير الأسماء، وتبقى المنظومات على حالها.
* maen1964@gmail.com
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





