... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
153903 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7230 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

ما وراء الهويات القاتلة في سوريا والعراق

العالم
المدى
2026/04/11 - 21:02 501 مشاهدة

سعد سلوم

على مدار سنوات، عكفتُ على تقليب النظر في الصيغة الفلسفية التي تليق بمجتمعاتنا التعددية، بحثا عن مخرج يحول التنوع السوري والعراقي من مشكلة تستوجب الحل إلى ثروة تقتضي الإدارة الحكيمة. ومن هذا المنطلق، نطلُّ على دمشق وبغداد كمختبرين حضاريين يتطابقان في جوهر التعدد ويتباينان في تفاصيله الجمالية، ففي سورية تتجلى فسيفساء اجتماعية مذهلة تمزج بين العرب، والأكراد، والتركمان، والسريان، والآشوريين، والشركس، والأرمن، في تمازج ديني يضم المسلمين بأطيافهم (سنة، وعلويين، ودروز، وإسماعيليين) والمسيحيين بتعددهم، مما يفرض تحديا في صهر هذا التنوع في بوتقة مواطنة متساوية لا تُقصي أحدا.
وعلى الضفة الأخرى، يبرز العراق بتعدديته الراسخة، حيث يتشابك النسيج الاجتماعي من عرب، وأكراد، وتركمان، وكلدوآشوريين، وسريان، وفيليين، وشبك، جنبا إلى جنب مع مكونات دينية فريدة كالإيزيديين، والمندائيين، والكاكائيين، والزرادشتيين. إن هذا التماثل المذهل يضع السوريين والعراقيين أمام ذات التحدي الوجودي: كيف يمكن للفرد أن يحول فخره بجذوره الخاصة إلى رأسمال ثقافي يعزز التماسك الاجتماعي، بدلا من عصبية مكوناتية تُستخدم لتقويض الدولة؟
إن الطموح المشترك في دمشق وبغداد اليوم يتجاوز ترتيبات المحاصصة السياسية الضيقة، بحثا عن صيغة للانتقال من ضيق الهويات القاتلة إلى رحابة الانتماء المركب، في اختبار حقيقي لبناء عقد اجتماعي يحترم خصوصية الآشوري في نينوى، والدرزي في السويداء، والكردي في الحسكة أو أربيل، والتركماني في كركوك، والسرياني في معلولا، والإيزيدي في سنجار، والأرمني في حلب، وصولا إلى العربي في أهوار الجنوب وبادية الشام.
إن إيماني بضرورة الانتقال من التجريد الفلسفي حول مفهوم المواطنة إلى صلابة الواقع المعاش، يدفعني للعودة إلى الجذور التاريخية التي صاغت هوية سورية والعراق كوطنين مركّبين بامتياز. وفي هذه الرحلة المعرفية، أجد استراحة فكرية عند المؤرخين الموسوعيين الذين عاصروا مخاض ولادة الدولة الوطنية في القرن العشرين، ووضعوا خرائط معرفية للهوية الوطنية.
بذات الثقل المعرفي والوجداني الذي يمثله كتاب (خطط الشام) للعلامة محمد كرد علي (1876-1953)، مؤسس مجمع اللغة العربية بدمشق ووزير معارفها الأسبق، تبرز مؤلفات المؤرخ (عباس العزاوي) كتوأم منهجي لا غنى عنه لتوثيق الحالة العراقية. يمثل خطط الشام حجر الزاوية كمرجع مؤسس للحالة السورية، ويُصنف كواحدة من أبرز الموسوعات التاريخية والجغرافية في القرن العشرين.
هذا العمل الضخم، الذي جاء في ستة مجلدات، استغرق كرد علي في جمعه وتأليفه قرابة عشرين عاماً من التقصي والتحقيق. وبمنهجٍ يجمع بين الجغرافيا السياسية، والتاريخ الحضاري، وعلم الاجتماع، أعاد كرد علي إحياء فن الخطط التراثي بأسلوب عصري.
ولكي يمنح عمله هذه الروح الموسوعية، لم يكتفِ بالانكفاء على مئات المخطوطات النادرة ، بل انطلق في رحلات ميدانية عبر جغرافيا بلاد الشام الكبرى (سورية، فلسطين، لبنان، والأردن). وقد توج هذا الجهد بصدور الطبعة الأولى عن المطبعة الحديثة بدمشق في مخاض ولادة الدولة الوطنية بين عامي 1925 و1928.
قدم كرد علي في هذه الموسوعة مسحا شاملا يمتد من أقدم العصور وحتى العصر الحديث ، مفصلاً في أحوال المدن والقبائل، والنظم الإدارية، وعادات السكان، وآثارهم العمرانية. واستطاع أن يرصد الفسيفساء الحضارية في الحواضر الشامية التي احتضنت التنوع بمرونة مذهلة.
وفي المقابل، نجد في طليعة نتاج المؤرخ عباس العزاوي (1890-1971) عمله الموسوعي (تاريخ العراق بين احتلالين)، الذي جاء في ثمانية مجلدات صدرت تباعا بين عامي 1935 و1956. ويُعد أضخم مدونة تاريخية تصدت لتوثيق ما عُرف بالحقبات المظلمة في تاريخ العراق، الممتدة من سقوط بغداد عام 1258م حتى نهاية العهد العثماني. لقد استطاع العزاوي أن يسد فراغا معرفيا في المكتبة العربية بجمعه وثائق مخطوطة ونصوصا نادرة كادت أن تندثر، معيدا الضوء إلى قرون من المسكوت عنه في الهوية العراقية.
ولم يكتفِ العزاوي بالتدوين المكتبي، بل تبرز موسوعته الأخرى (عشائر العراق)، بمجلداتها الأربعة الصادرة بين 1937 و1956، كشهادة على جهده كباحث ميداني. فقد جاب العزاوي الفيافي والقرى، والتقى وجها لوجه برموز المكونات الدينية والعرقية، ليمزج بين التاريخ السياسي والأنثروبولوجيا الاجتماعية. ومن خلال هذا المنهج الاستقصائي، نجح في توثيق أنساب القبائل وعقائد الأقليات، راصدا تحولات النسيج الاجتماعي العراقي، ليقدم لنا إرثا يبرهن أن التعددية هي جوهر بلاد الرافدين.
ما يدهشني حقا في جهد هذين العملاقين هو التقاؤهما عند رؤية ترى في التعددية ثابتا وجوديا وليست مجرد طارىء ديموغرافي. لقد أرّخ كلاهما لبلده بوصفه مختبرا للانصهار البشري وملاذا تاريخيا رحبا استوعب، عبر العصور، موجات متلاحقة من الأديان والأعراق واللغات، ليقدما لنا إرثا لا يزال حتى اليوم حجر الزاوية في فهم الهوية الوطنية العابرة للمكونات.
هذا التماثل المنهجي الذي أرصده بينهما، يؤكد لي أن جدل المكونات في مشرقنا ليس وليد الصراعات الحديثة، بل هو امتداد لنقاش تاريخي أصيل حول كيفية استيعاب هذا الثراء داخل جسد الدولة. إن تآلف الأجراس والمآذن في نصوص كرد علي، وتمازج الأطياف في تدوينات العزاوي، يمثلان بالنسبة لي رأس المال الرمزي الذي يمنح مفهومنا اليوم للمواطنة أصالة تاريخية وعمقا وجوديا. فالتنوع في فكر هذين الموسوعيين لم يكن يوماً مجرد تعداد للسكان، بل هو جوهر الهوية المركبة التي صمدت في وجه عواصف الزمن، وهي ذاتها القاعدة التي أحاول اليوم البناء عليها للوصول إلى عقد اجتماعي يتجاوز خطاب الحماية الضيق نحو أفق الشراكة الوطنية الشاملة.
لكن بعد نهاية رحلة كرد علي والعزاوي الاستكشافية، أجدني مدفوعا لمواجهة السؤال الأصعب: أين تعثر هذا المسار؟ وللإجابة، لا أجد مفرّا من وضع رؤى أخرى لمؤرخين في حوار نقدي كاشف.
لطالما استوقفتني أطروحات الديموغرافي يوسف كرباج، الذي عرفه القارئ العربي من خلال كتابه المترجم (المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي)،حيث تميز بقدرة فذة على قراءة التحولات الاجتماعية من خلال لغة الأرقام والمنحنيات السكانية. ولا زلتُ أثمن تلك النقاشات العميقة التي جمعتني به في الدوحة عام 2017، في مؤتمر (المسيحيون العرب في المشرق الكبير)، إذ قدم آنذاك معطيات دقيقة للنسب الديموغرافية للمسيحيين في الحقبة العثمانية. لقد كان كرباج يصرّ على تشريح التفاعلات العميقة بين الديموغرافيا والدين، محللا كيف تؤثر التحولات السكانية، كمعدلات الخصوبة والتعليم، في موازين القوى السياسية والدينية. وبناء على أطروحاته حول الانفجار الديموغرافي العربي، خلص إلى أن مجتمعاتنا كانت تمضي قدما نحو عصرنة الهوية، مدفوعةً بقوى التحديث التلقائية كالتمدن وخروج المرأة للعمل. وهي المحركات التي رآها كفيلة بصهر الفوارق الأولية لصالح مواطنة فردية عابرة للطوائف، وهو التحليل الذي تعمق فيه بشكل لافت في كتابه المشترك مع الباحث الفرنسي إيمانويل تود (لقاء الحضارات)، حيث برهن فيه على أن التحولات الديموغرافية (كارتفاع معدلات التعليم وانخفاض الخصوبة) هي المقدمات الموضوعية لولادة الفرد والديمقراطية، بعيداً عن صراعات الهويات التقليدية.
لكن هذه السيرورة الطبيعية التي بشر بها كرباج اصطدمت بما يمكن تسميته بالخطيئة السياسية، وهنا تبرز قيمة التشريح السوسيولوجي لحنا بطاطو، الذي كشف لنا كيف تعطل هذا الاندماج المدني حينما قامت السلطة بترييف الحواضر. فبدلا من أن تمدّن الدولة الريف، قام الريف الوافد بترييف جهاز الدولة، مستخدما العصبية وليس القانون كأداة للضبط والسيطرة.
هذا التحول هو ما وصفه الراحل فالح عبد الجبار في أطروحاته حول تسييس الهوية، إذ رأى أن الفرز الذي نعيشه ليس قدرا طائفيا، بل هو صناعة سياسية بامتياز. فالدولة التي كان يُفترض بها أن تكون صاهرة للتنوع، تحولت في لحظة تاريخية فارقة إلى منتجة للانقسام، عبر إعادة تدوير الولاءات الفرعية وتحويلها إلى كتل ولائية تخدم بقاء السلطة.
إن استعراض جدل المكونات في سورية والعراق، بدءا من التوثيق الموسوعي لكرد علي والعزاوي وصولا إلى التشريح السوسيولوجي لبطاطو وعبد الجبار، يفضي بنا إلى نتيجة أكاديمية حاسمة: إن المعضلة المشرقية ليست في التعددية بحد ذاتها، بل في الفراغ المؤسساتي الذي حول هذه التعددية إلى عبء أمني. وبناء على هذا الحوار المعرفي، يتضح أن أزمتنا تكمن في (تزييف التعدد)، حيث تم اختطاف مسار العصرنة ليُحبس في أطر العصبوية الضيقة. ومن هنا، تكتسب دعوتي لمأسسة التنوع ضرورتها، كمنطلق لتحرير المواطن من خندق المكون إلى رحابة الدولة.
لقد أثبتت المذابح التي ارتكبت في العراق وسوريا، أن سردية الحماية قد وصلت إلى طريق مسدود، فالحماية التي ترتبط بالأشخاص أو الأنظمة هي حماية مؤقتة وهشة، بل إنها غالبا ما تساهم في تعميق فرز قسري بين الحواضر والأرياف. تفرض علينا الواقعية الأكاديمية اليوم الانتقال من خطاب التعايش الوجداني إلى خطاب المواطنة الإجرائية، وهي المواطنة التي لا تطلب من الفرد التخلي عن انتمائه لمكونه، بل تضمن له أن هذا الانتماء لن يكون محددا لمكاسبه السياسية أو سبباً في استهدافه الحقوقي.
يتطلب هذا التحول ما يسميه الفكر السياسي المعاصر (تحييد الهوية في المجال العام). وهذا لا يعني صهر المكونات قسرا، بل مأسسة التنوع ليكون رأسمالا ثقافيا محميا دستوريا، مقابل دولة تقف على مسافة واحدة من الجميع. إن الدرس المستفاد من تماثل التجربتين السورية والعراقية هو أن الحل لا يكمن في المحاصصة التي تكرس الانقسام، بل في الدولة القانونية التي تحول المكونات من كتل ولاء عصبوية إلى ذوات حقوقية فاعلة.
في الختام، إن العقد الاجتماعي المنشود ليس مجرد وثيقة لتنظيم التعايش بين طوائف متنافسة، بل هو ميثاق بناء دولة تعترف بالفسيفساء التاريخية كجزء من هيبتها. إنها الدولة التي تحتضن أجراس معلولا وزخارف بغداد وإرث الإيزيديين والتركمان والكرد الفيلية والآشوريين والكاكائيين في آن واحد. بهذه الرؤية فقط، تصبح المواطنة المتساوية حجر الزاوية الذي لا يستقيم البناء بدونه، معلنةً الانتقالة الضرورية من ضيق (الهويات القاتلة) إلى رحابة الدولة الوطنية، حيث الحماية حق يكفله القانون، والتنوع ثراء وطني عابر للنزاعات.

The post ما وراء الهويات القاتلة في سوريا والعراق appeared first on جريدة المدى.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤