م. زيد خالد المعايطة : ما وراء شاشة الهاتف، حين تتحول الألعاب الإلكترونية إلى خطر خفي
أصبح من المعتاد في كثير من المنازل وتحت انظار الاهالي أن يقضي المراهق ساعات طويلة في غرفته، يحمل هاتفه، يضع سماعاته، وينشغل بعالمه الخاص على الإنترنت، وفي الكثير من الأحيان قد لا يدعو هذا الأمر إلى القلق، فالألعاب الإلكترونية أصبحت جزءاً طبيعياً من حياة الأطفال والمراهقين والشباب، وهي بالنسبة للكثير منهم وسيلة للترفيه والتواصل مع الأصدقاء والهروب قليلاً من ضغوط اليوم. لكن بعض المساحات الرقمية قد تتحول إلى شيء أكثر خطورة، ففي السنوات الأخيرة بدأ القلق يتزايد في الأردن وفي دول كثيرة حول العالم من بعض الألعاب والمجموعات السرية والتحديات التي تستدرج المراهقين بشكل تدريجي إلى سلوكيات مؤذية، وغالباً لا تبدأ هذه المساحات بشكل مخيف أو واضح، بل برسائل غريبة أو طلبات بسيطة أو دعوات للانضمام إلى مجموعة تبدو مختلفة أو حصرية، ثم تتحول مع الوقت إلى بيئة مليئة بالضغط النفسي والتأثير السلبي، والمشكلة الحقيقية ليست في لعبة أو منصة بعينها، بل في فهم الأسباب التي تجعل بعض المراهقين ينجذبون إلى هذه المساحات من الأساس. مرحلة المراهقة بطبيعتها مليئة بالفضول والمشاعر القوية والرغبة في الشعور بالقبول، فالمراهق يريد أن يشعر بأنه مهم وله مكان بين الآخرين، وهذه المجموعات والمواقع الالكترونية تعرف جيداً كيف تستغل هذا الاحتياج، فهي تمنح المراهق شعوراً بأنه مختلف أو مميز أو جزء من شيء أكبر من نفسه، كما أنها تقدم له قدراً من الغموض والإثارة والانتماء إلى مجموعة تبدو وكأنها خاصة به وحده. وهنا تكمن خطورة هذه المجموعات، فهي لا تدفع المراهق إلى شيء مؤذٍ بشكل مباشر منذ البداية، بل تتسلل إليه بشكل تدريجي، فقد يبدأ الأمر بطلب بسيط أو حديث خاص أو تحدٍ صغير يبدو بلا أهمية، ثم يصبح من السهل قبول الخطوة التالية، ومع مرور الوقت يبدأ ما كان يبدو غريباً في البداية وكأنه شيء طبيعي. كما أن الشعور بالوحدة يلعب دوراً مهماً، فالمراهق الذي يشعر بأنه غير مفهوم أو يعاني من ضغوط في المدرسة أو البيت أو يفتقد للأصدقاء المقربين قد يبحث عن شعور بالانتماء على الإنترنت، وفي مثل هذه اللحظات قد تبدو هذه المجموعات جذابة لأنها تمنحه الاهتمام والشعور بأنه جزء من شيء ما. لهذا لا يجب أن تعتمد حملات التنبيه والتوعية فقط على التخويف، لأن مجرد إخبار المراهق أن شيئاً ما خطير قد لا يكون كافياً، بل قد يدفعه أحياناً إلى مزيد من الفضول، فالمراهق لا يحب أن يشعر بأنه مراقب أو أن أحداً يحاول السيطرة عليه، لكنه يتجاوب أكثر عندما يشعر بأنه مفهوم ومحترم. الطريقة الأفضل هي أن نساعد المراهقين على فهم الأساليب التي تستخدمها بعض المجموعات للتأثير عليهم، وأن نشرح لهم كيف يمكن للسرية والضغط من الآخرين والتحديات الصغيرة أن تسحب الشخص خطوة بعد خطوة، كما يجب أن يفهموا أن ليست كل مجموعة على الإنترنت مبنية على الصداقة الحقيقية، وأن بعض الأشخاص قد يستخدمون اللطف والاهتمام فقط من أجل السيطرة على الآخرين. للأسرة دور مهم جداً، لكن ليس من خلال المراقبة الصارمة فقط، فكثير من المراهقين يخفون ما يفعلونه على الإنترنت لأنهم يخافون من العقاب أو من إصدار الأحكام عليهم، بينما يكون الأهل الذين يبنون الثقة ويتحدثون بهدوء ويهتمون بمعرفة الألعاب والمنصات التي يستخدمها أبناؤهم أكثر قدرة على ملاحظة أي إشارات مبكرة. للمدارس أيضا دوراً لا يقل أهمية، فالأمان الرقمي يجب أن يصبح جزءاً من التعليم اليومي، تماماً مثل الصحة أو السلامة المرورية، ويحتاج الطلاب إلى مساحات يستطيعون فيها الحديث بصراحة عن الأشياء التي يشاهدونها على الإنترنت دون خوف أو إحراج. وقد تكون القدوة من أقوى وسائل التوعية، فالمراهقون غالباً ما يستمعون إلى الأشخاص الذين يعجبون بهم أكثر من استماعهم إلى الحملات الرسمية، وهذا يشمل الرياضيين وصناع المحتوى والمؤثرين وحتى المراهقين الآخرين. فعندما يتحدث لاعب كرة قدم معروف أو مؤثر على مواقع التواصل أو طالب محبوب بين زملائه عن الضغط الذي قد يواجهه الشباب على الإنترنت وعن أهمية طلب المساعدة، تصبح الرسالة أقرب وأكثر تأثيراً، وقد يكون مقطع قصير من مؤثر شاب أكثر تأثيراً من محاضرة طويلة. في النهاية ليست الألعاب الإلكترونية هي المشكلة، فمعظم الألعاب آمنة ويستخدمها الشباب بشكل طبيعي، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تجتمع هشاشة المشاعر مع بيئات رقمية مؤذية، وحماية المراهقين لا تبدأ بالخوف، بل تبدأ بالثقة والتوعية والتأكد من أن كل شاب أو فتاة يعرف أن هناك دائماً من يستطيع التحدث إليه.




