وضوح الرؤية في العمل العام لا يعني أن نعرف إلى أين نريد الوصول فحسب، بل أن نرى الطريق المؤدي إلى الغاية كما هو؛ بما فيه من مصالح متقاطعة، وأصوات متفاوتة الحضور، ومحاولات لا تتوقف لدفع القرار في هذا الاتجاه أو ذاك.
وقد تكون الغاية واضحة، لكن الطريق إليها يلتبس عندما توضع في كفة واحدة شهادة فرد يدافع عن منفعة تخصه، ورأي هيئة تقول إنها تمثل قطاعاً بأكمله، ودراسة يقدمها خبير مستقل، وصوت فئة لا تعرف أصلاً كيف تصل إلى قاعة التأثير وصناعة القرار.
المشكلة، في كثير من الأحيان، ليست غياب الآراء، بل غياب الميزان الذي يسمح بفهمها ووضع كل منها في موقعه الصحيح.
فالديمقراطية تضمن حق الكلام، لكنها لا تجعل المتحدثين متساوين في صفتهم أو حجم تمثيلهم أو قوة حججهم.
قد يمثل شخص آلافاً ويقدم رأياً ضعيفاً، وقد يتحدث مواطن عن تجربة فردية فيكشف خللاً لم تنتبه إليه مؤسسات كاملة. وفي الحالتين، من الضروري أن نعرف: مَن يتحدث؟ وباسم مَن؟ وما المصلحة التي يدافع عنها؟
من حق الفرد أن يُسمع، لكن ليس من حق مصلحته الخاصة أن ترتدي ثوب المصلحة العامة، أو أن يظهر أمام المشرّع ممثلاً لقطاع لم يفوضه.
والمقصود بتمثيل المصالح هنا كل نشاط منظم يهدف إلى التأثير في مضمون تشريع أو قرار عام لحساب جهة أو فئة أو مصلحة محددة.
ما تقوله الطاولة وما تفعله الممرات
أثناء عضويتي في مجلس النواب السابع عشر وترؤسي لجنة الخدمات العامة والنقل، كنا ندعو النقابات والهيئات الممثلة للمشغلين وأصحاب سيارات التاكسي عند مناقشة التشريعات المتعلقة بالنقل العام. وكانت الآراء تُعرض في جلسات معلنة، وتناقش الملاحظات أمام أعضاء اللجنة، ويُتاح لكل طرف شرح وجهة نظره.
لكن التجربة علمتني أن ما يقال على الطاولة ليس دائماً كل ما يسهم في صناعة القرار.
كان من الممكن، مثلاً، أن يحضر شخص بصفته «مشغّل خط باص». وهذه صفة صحيحة من حيث الأصل، لكنها لا تعني أنه يمثل سائر المشغلين، ولا تمنحه تفويضاً للتحدث باسم قطاع كامل. ومع ذلك، قد تتيح له قدرته على الوصول إلى بعض النواب وعقد لقاءات جانبية تأثيراً يتجاوز حجم تمثيله الفعلي. عندها يصبح القرب من الممرات أقوى من المقعد المخصص على طاولة النقاش.
أذكر، من دون تسمية أطراف بعينها، نقاشاً حول ترخيص خطوط نقل جديدة. خرجت جلسة الاستماع بتوافق واسع بين ممثلي القطاع على صيغة محددة، ثم طُرح داخل اللجنة اقتراح مختلف بدا أنه يعكس مصلحة مباشرة لطرف بعينه، من غير أن تُعرض خلفياته ومبرراته على بقية الأعضاء بالوضوح نفسه. ولو اعتُمد، لكان من شأنه تضييق المجال أمام دخول مشغلين جدد إلى السوق.
لم تكن المشكلة في أن أحداً عبّر عن مصلحته؛ فهذا حق مشروع. المشكلة أن مصدر الاقتراح وصفة صاحبه والمصلحة المحتملة وراءه لم تكن ظاهرة بما يسمح للجميع بتقييمه على أساس متكافئ.
ويصعب على الرقابة الإعلامية متابعة هذا النوع من التأثير. فالصحافة تستطيع تغطية جلسة معلنة ونقل ما قيل فيها، لكنها لا تعرف بسهولة ما دار قبلها أو بعدها في لقاء جانبي، ولا مَن اقترح تعديل عبارة، ولا الجهة التي قد تستفيد منه.
ولا يحتاج الأمر إلى مخالفة صريحة حتى يصبح مؤثراً؛ يكفي أن يغيب السجل الذي يوثق مَن تحدث، وبأي صفة، وفي أي موضوع، ولأي غاية. ولهذا فإن العلاج الذي نحتاج إليه ليس الملاحقة، بل الإفصاح.
عندما يحضر التأثير وتغيب المعلومة
التواصل مع النواب ليس خطأ، ولا ينبغي التعامل مع كل لقاء جانبي كأنه موضع شبهة. فقد يحمل صاحبه معلومة مهمة غابت عن الجلسة الرسمية، أو ينبه إلى أثر لم ينتبه إليه واضعو المشروع.
لكن الخلل يبدأ حين يحضر التأثير وتغيب الشفافية، فلا يعرف أعضاء اللجنة مَن تحدث، ولا صفته، ولا المصلحة التي قد تعود عليه من التعديل المقترح. عندها يعلو الهمس على صوت المؤسسة.
وفي المقابل، لا ينبغي منح نقابة أو هيئة وزناً مطلقاً لمجرد اسمها. فقيمة تمثيلها تتوقف على عدد من تمثلهم، ووضوح التفويض الممنوح لها، وقدرتها على إظهار اختلاف المصالح داخل القطاع نفسه.
قد تحمل مؤسسة عنواناً واسعاً، بينما لا تتجاوز قاعدتها الفعلية دائرة محدودة، وقد يكون القطاع ممثلاً بعدة جهات لكل منها أولويات مختلفة. لذلك لا يكفي أن نقرأ اسم الجهة المدعوة؛ بل يجب أن نفهم طبيعة تمثيلها وحدوده.
فالتشريع ليس عملية جمع حسابي للأصوات، ولا استفتاءً بين أصحاب المصالح، بل موازنة بين حقوق ومصالح متعارضة. ولا تكون هذه الموازنة عادلة إذا بقيت أوزان الأطراف مخفية.
تعاملت دول وبرلمانات عديدة مع تمثيل المصالح باعتباره جزءاً طبيعياً من العمل الديمقراطي. لم تحاول منع التأثير، وهو أمر يصعب منعه أصلاً، بل سعت إلى جعله مرئياً وقابلاً للمراجعة.
في إيرلندا، يتيح سجل إلكتروني علني معرفة الجهات التي تمارس التأثير، ولمصلحة مَن، وفي أي موضوع، مع إلزامها بتقديم بيانات دورية عن نشاطها. وفي ألمانيا، دخل سجل تمثيل المصالح الإلزامي حيز التنفيذ مطلع عام 2022، ثم شُددت متطلباته ابتداءً من آذار 2024، بما وسّع المعلومات المتعلقة بالجهات والموضوعات التشريعية والموارد المخصصة لهذا النشاط.
أما في البرلمان الأوروبي، فتُلزم قواعد الشفافية فئات من الأعضاء بنشر اجتماعاتهم المجدولة مع ممثلي المصالح بشأن العمل البرلماني. وأظهرت التجربة الاسكتلندية ثغرة مهمة؛ فإذا اقتصر التسجيل على اللقاءات الشفهية المباشرة، فقد تبقى رسائل البريد الإلكتروني والمكالمات وغيرها من وسائل الاتصال المؤثرة خارج مجال الشفافية.
وفي فرنسا، تشرف الهيئة العليا للشفافية في الحياة العامة على سجل وطني لممثلي المصالح، وتمتلك صلاحيات للتحقق من الالتزام، فلا يقتصر دورها على استقبال البيانات وحفظها.
ليس بين هذه التجارب نموذج كامل يمكن نقله كما هو، لكن القاسم المشترك بينها واضح: لا يكفي أن نعرف مَن حضر الجلسة؛ يجب أن نعرف أيضاً مَن حاول تغيير النص، وبأي صفة، ولحساب أي مصلحة.
سجلّ حقيقي أم واجهة للشفافية؟
قد ننشئ سجلاً لتمثيل المصالح ثم نكتشف، بعد سنوات، أنه لم يغير شيئاً في طريقة صناعة القرار.
يحدث ذلك إذا جُمعت الأسماء من دون تدقيق، أو أُودعت البيانات من دون مقارنتها بما يجري فعلياً، أو بقيت قنوات التأثير الأهم خارج نطاق التسجيل. وقد يتحول السجل إلى عبء إجرائي تستطيع الجهات الكبيرة التعامل معه، بينما تعجز عنه الجماعات الصغيرة والمواطنون الأفراد.
المسألة، إذاً، ليست إنشاء منصة إلكترونية وإضافة خانة إلى الموقع الرسمي. فبمجرد التفكير في السجل تظهر أسئلة عملية: مَن يراجع البيانات؟ وما صلاحياته؟ وكيف يمول هذا الدور؟ وماذا يحدث إذا امتنعت جهة عن الإفصاح أو قدمت معلومات ناقصة أو مضللة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تفصل بين سجل حقيقي وآخر لا يتجاوز واجهة للشفافية.
في الأردن، يمكن البدء بما يقع ضمن صلاحيات مجلس النواب ونظامه الداخلي، ثم دراسة الحاجة لاحقاً إلى إطار تشريعي أشمل لتنظيم تمثيل المصالح.
وتبدأ الخطوة الأولى بإنشاء سجل إلكتروني علني لدى الأمانة العامة للمجلس، يفصح فيه ممثل المصالح عن هويته، والجهة التي يمثلها، والموضوع الذي يسعى إلى التأثير فيه، والطرف الذي يعمل لحسابه إن وجد.
وعند دعوة أي جهة أو شخص إلى جلسة استماع، تُعبّأ بطاقة إفصاح مختصرة توضح الصفة، وحجم التمثيل، والمصلحة المباشرة، والمادة المقترح تعديلها. ومن الضروري أيضاً توثيق اللقاءات الجوهرية المتعلقة بمشروع قانون منظور إذا تضمنت طلباً محدداً لتعديل مادة أو تغيير اتجاه النص.
ولا أتحدث هنا عن تسجيل كل مصافحة أو حديث عابر؛ فهذا غير عملي ولا ضرورة له. المقصود هو الاتصال الذي يتضمن محاولة واضحة ومباشرة للتأثير في مضمون التشريع.
أما تقرير اللجنة، فينبغي أن تُرفق به «بصمة تشريعية» موجزة تكشف الجهات التي استمعت إليها، والمذكرات التي تلقتها، والمقترحات الجوهرية التي ناقشتها، من دون أن يعني ذلك تبنيها أو التزام اللجنة بتقديم محضر تفصيلي لكل نقاش.
وظيفة هذه البصمة أن توضح الطريق الذي سلكه القرار، والاعتبارات التي وُضعت أمام المشرّع، والجهات التي كان لها حضور في تشكيل النص.
ولن يكون الإفصاح ذا قيمة إذا لم تتولَّ جهة محددة مراجعته بصلاحيات وموارد معلومة. ويمكن إسناد المهمة إلى وحدة صغيرة داخل الأمانة العامة تتبع إدارياً لهيئة مكتب المجلس، لا لأي لجنة بعينها، حتى لا تكون اللجنة هي الجهة التي تتلقى الإفصاح وتراجعه وتحكم على كفايته في الوقت نفسه.
وتتولى الوحدة التأكد من اكتمال بيانات التسجيل قبل منح صفة الحضور، وتدقيق عينة من بطاقات الإفصاح، ومقارنة ما يرد في تقارير اللجان بما هو مسجل فعلياً.
ولا نحتاج، في البداية، إلى جهاز رقابي جديد أو طبقة بيروقراطية ثقيلة. يكفي تقرير سنوي مختصر عن مستوى الالتزام، وتقييم شامل في نهاية كل دورة عادية، لتصبح لغياب الإفصاح والمراجعة كلفة سياسية وإعلامية ظاهرة.
أما الامتناع عن الإفصاح أو تقديم معلومات مضللة، فينبغي التعامل معه بالتدرج: تنبيه أولاً، ثم تعليق بعض الامتيازات مثل حضور جلسات الاستماع، وصولاً إلى إثبات عدم الإفصاح في تقرير اللجنة، بعد إخطار الجهة ومنحها مهلة معقولة للتصويب.
وقد يكون إثبات عدم الإفصاح أشد أثراً من عقوبة إدارية؛ لأنه يمس مصداقية الجهة أمام الرأي العام. ولا أرى، في المرحلة الأولى، حاجة إلى التوسع في العقوبات الإجرائية؛ فالغاية هي بناء ثقافة الإفصاح وحماية نزاهة المسار التشريعي، لا بناء منظومة عقابية جديدة.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا يتحول التنظيم إلى باب مغلق أمام المواطن العادي أو الجماعات الصغيرة.
يمكن اعتماد نموذج مبسط للجهات محدودة الموارد، وإعفاء المواطن الذي يروي تجربة شخصية من التسجيل الكامل، على أن تظهر صفته الفردية بوضوح في محضر الجلسة.
فالقيمة التشريعية للشهادة لا تُقاس دائماً بعدد الأشخاص الذين يمثلهم المتحدث. أحياناً تكشف تجربة فردية خللاً واسعاً، لكن العدالة تقتضي عرضها باعتبارها تجربة شخصية، لا تفويضاً عاماً لم يُمنح.
الغاية ليست إنشاء بوابة جديدة يصعب عبورها، وإنما جعل صفة كل من يعبرها ومصلحته واضحتين.
مَن لا يعرف الطريق إلى المجلس؟
يبقى سؤال لا يجيب عنه السجل وحده: ماذا عن الأصوات التي لا تصل أصلاً؟
السجل وبطاقة الإفصاح والبصمة التشريعية ووحدة المراجعة تنظم حضور الجهات المسموعة، لكنها لا تضمن حضور الغائبين. ولا ينبغي للمجلس أن يكتفي بانتظار مَن يعرف الطريق إليه أو يمتلك القدرة على الوصول.
وظهر ذلك في مناقشة مشروع القانون المعدّل لقانون الملكية العقارية لسنة 2026، الذي أقرّه مجلس النواب في الرابع من آب؛ إذ أضيفت السكك الحديدية إلى تعريف الطريق، بما يضع الأراضي اللازمة لها ضمن نطاق حكم اقتطاع الربع القانوني من دون تعويض. ومع أن التعديل يمس مالكي الأراضي مباشرة، لم يظهر لهم تمثيل واضح في قوائم الحضور المنشورة. وبعد الجدل، قرر مجلس الوزراء في التاسع من آب تعويض المتضررين من مشروع سكة حديد العقبة تعويضاً كاملاً أو مبادلة أراضيهم، فكأن صوتهم حضر بعد إقرار النص، لا في مطبخه.
وفي قطاع النقل، على سبيل المثال، بيّن تقرير البنك الدولي «تشخيص النقل العام في الأردن وتوصياته»، الصادر في شباط 2022، أن نحو 85% من الحافلات وسيارات الأجرة كانت مملوكة ومشغلة بصورة فردية.
هذا التفتت يمنح أصحاب الرخص والمشغلين، بحكم خبرتهم وتنظيم مصالحهم، قدرة واضحة على الوصول إلى القرار. أما الركاب، وهم الغاية الأساسية من تشريع النقل، فلا يجلسون عادة إلى الطاولة ضمن إطار منظم.
واستند التقرير إلى بيانات مخطط النقل والحركة في عمّان لعام 2010، التي أظهرت أن حصة النقل العام لم تتجاوز آنذاك نحو 13% من الرحلات. ولا تصلح هذه الأرقام القديمة لوصف الواقع الراهن، لكنها تظل شاهداً على ضعف الإقبال التاريخي على النقل العام، وتؤكد ضرورة إنتاج بيانات حديثة تقيس التحولات التي طرأت منذ ذلك الوقت.
فإذا نجح مقدمو الخدمة في تنظيم مصالحهم، بينما بقي المستفيد النهائي مشتتاً، أصبحت جلسة الاستماع متوازنة في شكلها فقط؛ يحضر إليها مَن يملك القدرة على الحضور، ويغيب عنها مَن وُضع التشريع من أجله.
لهذا ينبغي أن تستمع اللجان، وفق طبيعة كل تشريع، إلى السائقين والركاب وذوي الإعاقة وكبار السن والبلديات وخبراء النقل المستقلين وجماعات حماية المستهلك.
وفي بعض الحالات، لا تكفي دعوة عامة؛ على اللجنة أن تبحث بنفسها عن الفئات المتأثرة وأن تدعوها. فغيابها قد يكون نتيجة ضعف تنظيمها أو محدودية قدرتها على الوصول، وليس دليلاً على ضعف صلتها بالقرار.
الشفافية لا تملأ المقاعد الفارغة
الشفافية شرط لازم لنزاهة التشريع، لكنها لا تكفي وحدها. فقد يكون السجل مكتملاً، وتكون بطاقات الإفصاح مستوفاة، بينما تبقى نصف القاعة فارغة من المعنيين الحقيقيين بالتشريع.
لذلك لا يُقاس نجاح الإصلاح بعدد الأسماء المسجلة أو النماذج المعبأة، بل بقدرته على جعل مسار التشريع مرئياً، وإظهار الفارق بين حجم التمثيل وحجم التأثير، وفتح الطريق أمام الأصوات التي لا تملك نفوذ الممرات.
وبعد سنوات من التطبيق، يجب أن يستطيع قارئ تقرير اللجنة أن يعرف مَن استُمع إليه، ومَن غاب، ومَن اقترح تغيير النص، ومَن كان تأثيره أكبر من حجم تمثيله الفعلي.
فالقوانين لا تفقد عدالتها فقط عندما تُكتب بصورة سيئة؛ قد تفقدها قبل ذلك، عندما يُسمع بعض أصحاب المصالح بوضوح، بينما لا يصل صوت الآخرين إلا همساً، أو لا يصل أبداً.