بقلم / ناجي إبراهيم
في علم الإدارة الذي يدرسه الطالب في سنة أولى، من معايير المدير الناجح أنه من يستطيع إيجاد عشرة حلول لمشكلة واحدة، والمدير الفاشل هو من يعالج جميع المشاكل بحل واحد.
الأزمات في ليبيا خلال حقبة فبراير -وهي كثيرة- لا تتم معالجتها، بل ما شهدناه هو تراكم وتوالد لها، ويتم التعامل معها بأسلوب واحد وبطريقة واحدة تم تجريبها، وكلما تفجرت أزمة صاحَبتْها أزمات أخرى وسط عجز وتخبط حكومي تام يظهر غيابًا كاملًا للرؤية، وتغييبًا أعتقد أنه مقصود للخطة والذي ظهر من خلال حجم الإنفاق المالي دون أن ينعكس إنجازًا في الواقع يترجم هذه النفقات ويخلق استقرارًا في الخدمات ويمهد لمنوال تنموي يقلص الفجوة بين الإنفاق والأزمات ويراكم الثروات ويوجد فرص عمل من خارج عائدات النفط التي باتت عاجزة عن تلبية هذا الهدر الذي يستخدم في مجالات الاستهلاك وتغذية الفوضى المسلحة حتى صارت سببًا في خلق الأزمات.
نذهب بكم إلى جرد للأزمات التي يعيشها المواطن الليبي خلال هذه الحقبة التي عمرها عقد ونصف، وكيف عالجتها حكومة جنيف والحكومات التي سبقتها.
تدني سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية وما جرته هذه الأزمة من تضخم على الاقتصاد الوطني وارتفاع جنوني في الأسعار، وهذا التضخم ليس بسبب تدني سعر العملة فقط، ولكن بسبب زيادة الطلب على العمل الأجنبية، تلبية لرغبة التجار ومافيات الاعتمادات وفتح أبواب الاستيراد على مصراعيه، ما فتح باب التهريب أيضًا على دول الجوار حتى طال الوقود المدعوم.
كيف عالجت الإدارة هذا التدني في سعر العملة؟ وما نتج عنها من تضخم ونهم غير محدود للاعتمادات؟، بمزيد من ضخ العملة الذي التهمته السوق، وزيادة في مرتبات العاملين في القطاع العام لم تستطع أن تردم الفجوة بين ارتفاع الأسعار ورواتب العاملين، وعالجته في فترات لاحقة ومتأخرة بإقالة محافظ البنك المركزي واستبداله بمحافظ جديد ورث من المشاكل ما ينوء بحمله الجبال، ولم يجد أمامه بدًّا إلا السير على خطا سلفه وتوصيات وزارة الخزانة الأمريكية التي تولت الرقابة على عمل البنك المركزي وحركة العملة دخولًا وخروجًا.
نعلم جيدًا أن جميع الأزمات الأخرى مرتبطة بشكل مباشر وغير مباشر بقيمة العملة ارتفاعًا وانخفاضًا ووفرتها وندرتها، الارتفاع في قيمة دعم الوقود مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتدني سعر الدينار وليس فقط هدرًا فيها، ويأتي الهدر فيها لاحقًا، وكذلك غيابها أيضًا مرتبط بتوفر العوائد من النفط مما اضطر المؤسسة الوطنية للنفط إلى استخدام آلية مقايضة النفط بالمشتقات النفطية، وذلك باب آخر لتضخم الأموال التي تستخدم لدعم الوقود.
الأزمة الجديدة القديمة والمزمنة وهي أزمة انهيار شبكة الكهرباء إنتاجًا وتوزيعًا، والتي تفاقمت خلال هذا الصيف، وهي كما ذكرنا ليست الأولى إلا أن هذه المرة جاءت عقب انهيار أمني كبير وتراشق مسلح بين الميليشيات في المنطقة الغربية الذي أحرق خزانات الوقود في محطة تكرير الزاوية، قالت الشركة إنه كان سببًا في نقص إمدادات الوقود التي تغطي محطات التوليد في المنطقة الغربية ما أدى إلى خروج عدد من المحطات عن الخدمة، وشهدت البلاد عملية إظلام تام ما زالت تبعاته مستمرة.
تقليص عدد ساعات التوزيع على جميع المناطق التي زادت عن الثماني ساعات يوميًّا، هذه الأعطال المتكررة والتي تحدث نتيجة الاضطراب في الشبكة الذي صاحب تدني حجم الإنتاج حتى هذه اللحظة، والذي من غير الواضح ولا توجد خطة في الأفق تبين متى يمكن الخروج منها، والتي عالجتها الحكومة بإقالة مدير عام الشركة العامة للكهرباء واستبداله بآخر ورث الأزمة والتي ربما تصاحبه حتى نهاية توليه في غياب الخطة.
حل واحد لجميع الأزمات ما يعكس غياب البدائل وحتى قلة الحيلة أو ربما توجد أطراف داخلية وخارجية تستفيد من أزمة الكهرباء.
الحكومة لامتصاص الغضب الشعبي علقت فشلها على شخص مدير الشركة العامة للكهرباء.
إن مثل هذه المعالجات لا يمكن أن تحل الأزمات التي تعصف بالبلاد والعباد.
يقول المثل الشعبي (سمها فات الكرايم فوق)، ولذلك يصبح الكي أو البتر هو الحل حتى لا يصاب الجسد كله بالغرغرينا.
الشعب الليبي بات يعي جيدًا أن هذه الأجسام جميعها، رغم عدم شرعيتها ونهاية صلاحيتها، وفوق ذلك فشلها وعجزها عن حل مشكلة واحدة من المشاكل التي يعاني منها المواطن، بل على العكس تتوالد المشاكل وتتكاثر في ظل هذه الفوضى ومنها الانفلات الأمني الذي بات أصلًا لجميع الأزمات، غير قادرة على تقديم مشروع حقيقي لبناء دولة حقيقية قادرة على بناء سلطة توجد حلولًا ناجعة وجذرية لجميع الأزمات، ولذلك عليها الرحيل، والشعب الليبي قادر على بناء الدولة واختيار سلطة تخرجه من هذا النفق الذي أدخلتنا فيه فبراير.
The post ليس كل الحلول تحل الأزمات appeared first on الموقف الليبي.




