... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
109621 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8870 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

للخيمة عمود واحد!

العالم
عنب بلدي
2026/04/05 - 11:55 502 مشاهدة

غزوان قرنفل

الخيمة هنا بطبيعة الحال ليست سوى رمز لنمط كامل من التفكير والتنظيم الاجتماعي والسياسي، وعمود المركز منها هو نقطة ارتكازها وثباتها، فإن سقط العمود انهارت الخيمة كلها. هذا ما نشأ عليه الإنسان العربي في بيئته الأولى، وهذا ما تسلل بهدوء إلى وعيه الجمعي، فصار نموذجًا لحياته بأكملها سواء في الأسرة أو المجتمع، وانتقل ذلك بالعدوى للدولة وشكلها ونمط الحكم فيها أيضًا.

إن أهم سمة للمجتمعات العربية عمومًا هي نزعتها الأحادية التي لا تتقبل الاختلاف ولا تهضم فكرة التعدد، فالرأي الذي تتفق عليه الجماعة يتحول بسرعة إلى يقين مسلّم به لا يجوز الاقتراب منه أو المجادلة في صوابيته، وأي خروج عليه يُنظر إليه بوصفه تمردًا أو خيانة، ولا يهم كثيرًا في هذا المقام إن كان هذا الرأي صائبًا أو خاطئًا، نافعًا أو مدمرًا، المهم أنه رأي الجماعة، ومن يخالفه يصبح خارجها، أو على الأقل مشبوهًا ومشكوكًا في ولائه وانتمائه.

هكذا تتشكل في بلادنا العلاقة مع الاختلاف، فبدلًا من اعتباره مصدرًا للغنى الفكري والثراء المعرفي أو حتى وسيلة لتصحيح الأخطاء، يُنظر إليه بوصفه خطرًا ينبغي القضاء عليه حتى دون أن تتم عملية التمحيص في هذا الرأي المخالف فضلًا عن مناقشته، بل يُقصى صاحبه ويُنبذ، وكأن المجتمع لا يستطيع أن يتماسك إلا إذا كان نسخة واحدة من التفكير والسلوك والولاء.

هذه الذهنية لا تتوقف عند حدود المجتمع، بل تمتد إلى الدولة التي أنشأها العرب أو عاشوا في ظلها، فهي لا تختلف كثيرًا عن الخيمة، هناك عمود واحد ترتكز عليه، مركز واحد للسلطة، وإرادة واحدة ينبغي أن تخضع لها بقية الإرادات، فإذا ضعف هذا العمود أو سقط انهارت الخيمة كلها، لهذا تبدو فكرة التعددية السياسية في كثير من الأحيان غريبة أو مقلقة، فالتعدد في الأحزاب أو في مراكز صناعة القرار يُنظر إليه كأنه تهديد لوحدة الدولة، وكأن الدولة لا تستطيع أن تبقى متماسكة إلا إذا كان لها رأس واحد يقرر في كل شيء، وعلى بقية القطيع السمع والطاعة والالتزام. ضمن هذا التصور يتحول الحاكم إلى راعٍ والمواطنون إلى رعية، وهو وحده من يملك الحق في تحديد الاتجاه.

المفارقة أن التاريخ العربي الحديث مليء بالأمثلة التي تثبت خطورة هذا النموذج، فالدول التي تقوم على هذا الأساس تبدو قوية في الظاهر، لكنها في واقع الأمر غاية في الهشاشة لأنها بلا مؤسسات وبلا توازن بين السلطات، وبلا آليات سلمية لتداول السلطة، فكل شيء فيها متعلق بوجود ذلك العمود.

مع ذلك، لا يبدو أن الزمن وحده قادر على تغيير هذا النمط، فقد مرت قرون طويلة وتعاقبت دول وأجيال وأنظمة، لكن الصورة العامة بقيت إلى حد كبير على حالها، خيمة أو دولة لا فرق، عمود واحد أو حاكم أوحد لا فرق أيضًا، وعندما تنهار الخيمة أو تسقط الدولة، لا نتعلم شيئًا من التجربة، ونسارع بعدها لنعيد البناء مجددًا بالطريقة نفسها، و هكذا ندور في حلقة مفرغة كثيران السقاية! كل انهيار يعيدنا إلى نقطة الصفر، وربما إلى ما دونه، ومع ذلك نواصل الإصرار على الأسلوب ذاته، ونرفض مراجعة الفرضيات التي قادت إليها.

ربما تكون المشكلة أعمق من مجرد نظام سياسي أو دستور مكتوب، إنها مسألة ثقافة اجتماعية ترسخت عبر قرون طويلة، ثقافة أحادية تخشى التعدد، تبحث عن القائد المنقذ أكثر مما تبحث عن المؤسسات، وتفضل الطاعة المريحة على عبء المسؤولية المشتركة.

لكن التاريخ، ولا معلم كالتاريخ للقارئ الحصيف، ينبئنا أن مثل تلك المجتمعات ليست قدرًا ثابتًا، والأفكار التي بدت يومًا بديهية يمكن أن تتغير عندما يكتشف الناس أن تكلفتها أكبر من احتمالهم، وربما يأتي يوم يدرك فيه العرب أن الخيمة التي تقوم على أعمدة متعددة تكون أكثر ثباتًا وأطول عمرًا من خيمة ترتكز على عمود واحد، عندها فقط قد نبدأ ببناء دول لا تنهار بسقوط شخص، ومجتمعات لا تخاف من الاختلاف، بل تعتبره شرطًا من شروط الحياة.

إن الرغبة في إعادة إنتاج الماضي والعيش ضمن قوقعته تناقض العقل والمنطق، وعلى الضد من مسار التاريخ وسيرورة الحياة، بل وعلى الضد أيضًا من إرادة الله ومشيئته وسننه، ولذلك سنبقى ندور في دائرة الفشل وإعادة إنتاجه مرة تلو أخرى، وما لم نقم بكسر الحلقة لكي نخرج من إسار تلك الدائرة الجهنمية التي نحبس أنفسنا داخلها ثم بكل بلاهة نعاود طرح السؤال: لماذا لا ننجح ولا نتطور فيما الأمم الأخرى تجاوزتنا بأشواط؟ دون أن نملك شرف الجرأة على تقديم الإجابة وهي أننا طالما أبقينا أنفسنا أسرى أوهام التاريخ المزوّر، وأوهام الدين المشوّه، وأسرى ثقافة الفتوى، وأعداء لثقافة التنوع والاختلاف، فلن نتمكن من الإطلالة على المستقبل أبدًا، وستبقى الخيمة بعمودها الأوحد ملاذنا رغم أنها لم تكن قطّ ملاذًا آمنًا!

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤