منصة فواصل الاخبارية |
لم يبدأ الخلل عند بوابة المطار، ولا ينتهي عند جواز سفر مزور، القصة أقدم من ذلك بكثير؛ ففي ليبيا، تكشف تحقيقات ووثائق رسمية عن ثغرات تراكمت داخل منظومة الهوية والسجل المدني، سمحت على مدى سنوات بالتلاعب بالبيانات وبناء هويات يصعب التمييز بينها وبين الهويات الحقيقية.
وتعيد دراسة حديثة لـ”ذا صحارى إنتليجنس” فتح هذا الملف، بالاستناد إلى 66 منشورا رسميا لمكتب النائب العام، لتكشف أن تزوير الهوية لم يكن حالات فردية معزولة، بل نمطا امتد إلى سجلات الأحوال المدنية وملفات الجنسية ووثائق التعريف.
منذ التسعينيات
بعض الوقائع التي أعادت الدراسة تجميعها تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، ما يعني أن مشكلة تزوير الهوية سبقت بكثير موجة الفوضى الأمنية التي أعقبت 2011، ومع مرور السنوات، تغيرت الأدوات، لكن بقيت الثغرة ذاتها، سجل يمكن العبث به، ووثيقة يمكن تصنيعها، وهوية يمكن أن تجد طريقها إلى النظام الرسمي.
وتشير الدراسة إلى أن التطور لم يتوقف عند تزوير الورق، بل شمل إدخال أو تعديل بيانات داخل منظومة السجل المدني، بما يسمح في بعض الحالات بإنشاء هويات تبدو قانونية لأنها تحمل أصلا داخل قاعدة البيانات نفسها.
هوية كاملة
الأكثر إثارة في الملف أن بعض الحالات لم تكن مجرد تغيير اسم أو رقم في مستند، بل بناء هوية من داخل السجلات الرسمية نفسها.
وتكشف البيانات التي جمعتها الدراسة عن 3.138 واقعة تزوير، وأكثر من 4.032 شخصا وردت أسماؤهم في القضايا، فيما وُضعت 278,969 ملف جنسية تحت المراجعة، مع امتداد التحقيقات إلى أكثر من 160 مكتبا للسجل المدني.
وتظهر إحدى أخطر الثغرات في إمكانية استغلال قيود عائلية قائمة لتوليد هويات إضافية، فيما تصف الدراسة بعض السجلات العائلية بأنها تحولت عمليا إلى نقاط يمكن من خلالها “تكثير” الهويات.
الحلقة الأضعف
لم تكن المشكلة في الوثيقة وحدها، وفق التحقيق، بل في البيئة التي أنتجتها.
ثغرات في تدقيق البيانات، وضعف آليات مراجعة الإدخالات، ومحدودية الرقابة التقنية، إلى جانب الاعتماد في بعض الإجراءات على وسائل تحقق يدوية؛ كلها خلقت مساحة يمكن أن يعمل فيها التزوير بعيدا من العين الرقابية.
وفي بعض القضايا، وصل المقابل المالي للهوية المزورة إلى 70 ألف دينار ليبي، في مؤشر على أن الأمر لم يكن مجرد عمليات فردية، وإنما سوقا لها وسطاء وأدوار وأسعار متفاوتة.
حين تغادر الهوية
وهنا تتجاوز القصة ملف الجنسية أو السجل المدني، فكل هوية تُنتج بصورة غير مشروعة يمكن أن تتحول لاحقا إلى بطاقة تعريف، ثم جواز سفر، ثم وسيلة عبور للحدود.
ولهذا ترى الدراسة أن ضعف منظومة الهوية لا يمثل مشكلة إدارية فحسب، بل يحمل تداعيات أمنية عابرة للحدود، خصوصا عندما تُستخدم الهويات غير الحقيقية في حركة الأشخاص بين الدول.
المفارقة أن الجواز هو آخر حلقة في السلسلة، بينما قد يكون الخلل قد بدأ قبل سنوات، داخل سجل عائلي أو قيد مدني أو إدخال إلكتروني لم يخضع للتدقيق الكافي.
القصة إذن
إنها عن هوية تبدأ من مكان يفترض أن يكون الأكثر أمانا: السجل الذي تقول الدولة إنك تنتمي إليه.
وبينما تكشف النيابة العامة تباعا عن ملفات تزوير وتوقيف متورطين، تطرح البيانات المجمعة سؤالا أكبر، كم من الهويات تحتاج ليبيا إلى مراجعتها قبل أن تتمكن من القول إن سجلها المدني يعكس سكانها الحقيقيين؟
الدراسة نفسها تصف ما ظهر في هذه الملفات بأنه يتجاوز جرائم فردية إلى هشاشة هيكلية في منظومة الهوية الوطنية.
فواصل | ذا صحارى إنتليجنس
The post كيف عاش التزوير داخل سجلات ليبيا لعقود؟ appeared first on منصة فواصل Fawasel Media.





