مجالس أمناء الجامعات الرسمية… فراغ مؤسسي يستدعي الحسم
بقلم: الدكتور محمد تركي بني سلامة
تواجه الجامعات الرسمية الأردنية اليوم استحقاقًا مؤسسيًا لا يحتمل مزيدًا من التأخير، يتمثل في ضرورة الإسراع في تشكيل مجالس أمنائها، بعد انتهاء مدة المجالس السابقة ودخول عدد من الجامعات في حالة فراغ على مستوى إحدى أهم سلطات الحوكمة الجامعية. فمجالس الأمناء ليست أطرًا بروتوكولية أو تشكيلات شكلية، وإنما تمثل ركيزة أساسية في إدارة الجامعات وضمان سلامة قراراتها واستقرارها المؤسسي.
وتزداد أهمية هذا الملف مع اقتراب بداية الشهر المقبل، حيث تنتهي في بعض الجامعات فترات تكليف عدد من نواب رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، ما يعني أن الجامعات ستكون أمام استحقاقات إدارية وأكاديمية إضافية تتطلب وضوحًا في المرجعيات وسرعة في استكمال هياكل الحوكمة. ومن غير الملائم أن تدخل الجامعات مرحلة جديدة من التعيينات والتكليفات وإعادة تشكيل إداراتها العليا في ظل غياب مجالس الأمناء.
فالقوانين والأنظمة الناظمة للعمل الجامعي قامت على توزيع واضح للاختصاصات بين رئيس الجامعة ومجلس العمداء ومجلس الجامعة ومجلس الأمناء. ولكل جهة صلاحياتها ومسؤولياتها التي لا ينبغي أن تنتقل تلقائيًا إلى جهة أخرى عند غيابها. ولذلك فإن استمرار الفراغ في مجالس الأمناء قد يضع بعض الجامعات أمام منطقة قانونية وإدارية رمادية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقرارات تدخل أصلًا ضمن اختصاص هذه المجالس.
وهناك ملفات لا تحتمل الانتظار، من بينها السياسات المالية والإدارية، والرسوم الجامعية، وأعداد الطلبة المقبولين، والخطط الاستراتيجية، وبعض التعيينات والتنسيبات وغيرها من القرارات التي منح المشرّع مجالس الأمناء دورًا فيها. ومن هنا قد تثار تساؤلات حول المشروعية الإجرائية لبعض القرارات إذا طال أمد غياب الجهة التي أناط بها القانون صلاحية اتخاذها أو المصادقة عليها.
وإذا كانت الجامعات الخاصة قد تجاوزت هذه الإشكالية مؤقتًا من خلال تمديد عمل مجالس أمنائها واستمرارها في ممارسة صلاحياتها، فإن الجامعات الرسمية هي التي تتحمل اليوم العبء الأكبر لهذا الفراغ. وهذا التباين يجعل الإسراع في معالجة وضع الجامعات الرسمية أكثر إلحاحًا، حفاظًا على استقرارها وعلى انتظام عملية صنع القرار فيها.
إن تشكيل مجالس الأمناء ينبغي، في الوقت ذاته، ألا يتحول إلى مجرد عملية لملء الشواغر. المطلوب مجالس تضم شخصيات تمتلك الكفاءة والخبرة والاستقلالية والقدرة على الإضافة، وتفهم طبيعة التعليم العالي وتحدياته. فالجامعات الأردنية تواجه منافسة متزايدة، وتحديات في التمويل والبحث العلمي والتصنيفات الدولية واستقطاب الطلبة والتحول الرقمي وربط مخرجات التعليم بسوق العمل. ولذلك فإن مجلس الأمناء يجب أن يكون بيت خبرة وحوكمة ورؤية استراتيجية، لا مجرد قائمة أسماء.
وندرك أن تشكيل هذه المجالس يستدعي مراعاة جملة من الاعتبارات، بما فيها الكفاءة والخبرة والتمثيل الجغرافي والاجتماعي وتمثيل المرأة والتخصصات المختلفة، وهي اعتبارات مشروعة ومهمة. لكن تحقيق التوازن المطلوب يجب ألا يؤدي إلى إطالة أمد الفراغ، لأن كلفة التأخير قد تصبح أكبر من كلفة اتخاذ القرار.
وفي هذا السياق، تبرز أيضًا ضرورة الإسراع في استكمال تشكيل مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية بوصفه خطوة مرتبطة باستكمال البنية المؤسسية للقطاع، خصوصًا أن القانون يحدد الغالبية الساحقة من أعضائه بحكم مواقعهم وصفاتهم الوظيفية، الأمر الذي يفترض أن يسهم في تسريع تشكيله، ومن ثم استكمال الاستحقاقات ذات الصلة.
إن جامعاتنا الرسمية مؤسسات وطنية كبرى، واستقرارها جزء من استقرار الدولة ومتانة مؤسساتها. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس قرارات استثنائية، وإنما ببساطة استكمال المؤسسات التي نص عليها القانون وتمكينها من ممارسة صلاحياتها.
والرسالة إلى صناع القرار واضحة: الإسراع في تشكيل مجالس أمناء الجامعات الرسمية بات ضرورة مؤسسية وقانونية وأكاديمية، خاصة ونحن على أبواب استحقاقات إدارية جديدة مع بداية الشهر المقبل.
فالجامعات لا ينبغي أن تُدار بالفراغ، والمؤسسات القوية تبدأ من اكتمال شرعيتها وانتظام مجالسها واحترام اختصاصاتها.
هذا المحتوى مجالس أمناء الجامعات الرسمية… فراغ مؤسسي يستدعي الحسم ظهر أولاً في سواليف.




