قراءة في كتاب “حقول الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر”

لا يمكن الحديث عن أستاذ جامعي من دون الحديث عن إنتاج علمي رزين ومستمرّ لهذا الأستاذ، ولعلَّ مِن أبرز مَن اتصف بهذه الصفة في الحياة الجامعية الجزائرية وحتَّى العربية، أستاذ فلسفة القيم في جامعة محمد ليمين دباغين سطيف2 البروفيسور عبد الرزاق بلعقروز.
نتحدَّث في هذا الحيّز عن أحد الكُتب الهامة التي أصدرها الأستاذ بلعقروز مُؤخراً، وهذا لاعتبارات عديدة أهمها المجال الذي يغطيه هذا الكتاب، فهو ليس بالكتاب الأكاديمي الجاف الموجَّه للمتخصص فقط، بل هو عمل أقرب ما يكون إلى السياق الثقافي التأريخي العامّ.
يحمل الكتاب عنوان “حقول الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر: نماذج اجتهادية وإشكالات منهجية” ويُفهم مِن مضمون هذا الكتاب أنَّ مُصنِّفَه ركَنَ إلى هذا العنوان بناءً على تصورٍ يرى الإصلاح حقولا مُختلفة، إذ يوجد “الإصلاح الفكري” و”الإصلاح المجتمعي” و”الإصلاح السياسي” وإن كان قد درج لدى القارئ ارتباط الإصلاح بالحقل الديني أو السياسي.
صدر الكتاب عن مركز نماء للبحوث والدراسات، يقع في 260 صفحة، ضمَّ مُقدِّمةً وستة فصول إضافة إلى فصل تمهيدي. اشتغل المُصنِّف في المقدمة بوضع مدخل تشريحي لمدلول كلمة “الإصلاح” في سياقاتها المختلفة. ثمَّ درج على تِبيان أهمية هذا الموضوع من السياق الإنساني العامّ إلى الإسلامي الخاص. اشتغل في الفصل التمهيدي على محاولة تفكيك البنية التي اشتغلت ضمنها النماذج المعرفية التي اختارها ضمن هذا الكتاب، ورأى المُصنِّف أنَه تحليل هذه البنية والحديث عن خصوصياتها ومميزاتها أهم بكثير من مجرد رصف جهود هؤلاء المفكرين.
لذا كان التحليل هو السمة البارزة في هذا الفصل في محاولة لرصد مَواطن التوافق وبواطن الاختلاف بين النماذج الإصلاحية المختلفة. وركّز الدكتور بلعقروز في هذا الفصل على عددٍ من السمات المنهجية التي تميز بها هؤلاء المفكرون. لذا نجده يقول: «ما يعنينا هو أن نستخرج منهجيتهم التي كانوا بها يفكرون وينتجون».
وهو ما جعلنا نتجاوز عدَّ الكتاب -في سياقه العامّ- عملية تأريخ لتاريخ الفكر الإصلاحي في العالم الإسلامي خلال الحقبة المعاصرة من زاوية فلسفة الأفكار، إلى محاولة قيِّمة قام بها المصنِّف لتفكيك منهجيات الإصلاح المختلفة المذكورة -سنعود إليها- والسعي لإبداع نموذج إصلاحي شامل ويمكن تطبيقه. ولهذا، فقد تجاوز المؤلف التتبع الكرونولوجي للشخصيات ومساراتها المختلفة، إلى محاولة تحليل بنية المنهجية الفكرية والمشتركات المختلفة بين النماذج المستعرَضة. وقد اختار من الجهود الإصلاحية كلًّا مِن: إسماعيل راجي الفاروقي، وعبد الوهاب المسيري، ومالك بن نبي، ومحمد إقبال، وعبد الحميد أبو سليمان. ولعل إحدى الهفوات القليلة في التركيبة العامة للكتاب خلوُّها من النموذج الإصلاحي الخاص بمسلمي أورسيا وتركمنستان، فلو أضيف للنماذج المتبعة نموذج في صورة علي عزت بيتغوفيتش أو شامل باساييف أو محمد سعيد النورسي لكان الأستاذ بلعقروز قد قدَّم مَسحا كاملا وشاملا لنماذج الإصلاح المختلفة داخل جغرافية العالم الإسلامي، ولعل هذا الأمر يُستدرك في قابل طبعات الكتاب.
هذا النقص لا يُنقص من قيمة الكتاب والجهد الكبير المبذول فيه. اكتنز أكثر من زاوية رؤية في جمع المادة وتحليلها وإعادة تقديمها.
تضمَّن الكتابُ تجارب حياتية وإصلاحية مُختلفة، مِن إيجابياتها أنَّها تغطي جُلَّ العالم الإسلامي، إذ أنَّ المُؤلِف سعى إلى تقديمها كنمط إصلاحي يتجاوز القُطرية، بل سعى أإلى ن يكون إصلاحا إنسانيا، ذلك أنَّ أي كلام عن الإصلاح -حسب المصنِّف- لا يراعي البُعد الإنساني هو إصلاحٌ مقطوع الصلة ومحدودٌ في امتداده.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post قراءة في كتاب “حقول الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر” appeared first on الشروق أونلاين.



