قناة مصرفية مشتركة… مكاسب متساوية أم أفضلية تركية؟
بعد سنوات من التعقيدات والتحويلات غير المباشرة، تقترب سوريا وتركيا من فتح قناة مصرفية مباشرة، في خطوة قد تغيّر قواعد التبادل المالي بين البلدين. لكن خلف هذا التطور، يبرز سؤال أساسي: هل هي شراكة متوازنة أم مكسب يميل لمصلحة الطرف الأقوى اقتصادياً؟
ويؤشر هذا التوجه، وفق ما أعلنه حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية في وقت سابق، إلى بلوغ الاتفاق مراحله النهائية، وهذا ما يعكس تسارع التنسيق بين المؤسسات المالية في دمشق وأنقرة، وسعي الطرفين إلى تجاوز العوائق التقليدية في التحويلات المالية عبر الحدود.
ولا يقتصر التعاون المرتقب على تسهيل المدفوعات، بل يمتد ليشمل تطوير أنظمة دفع متكاملة واعتماد تسويات مالية أكثر تنظيماً، وهو ما قد يسهم في تقليل الاعتماد على الوسطاء وخفض تكاليف العمليات التجارية، بما يعزز بيئة الأعمال ويشجع التبادل التجاري المباشر.
كما يعكس هذا التطور محاولة مشتركة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للتجارة والاستثمار، في ظل مرحلة ما بعد الحرب التي دخلت عامها الخامس عشر، وما تفرضه من تحديات على صعيد إعادة بناء البنية التحتية وتنشيط الاقتصاد.
ما هي القناة المصرفية؟
وفق خبراء الاقتصاد، تبدو القناة المصرفية المشتركة آليةً رسميةً تربط الأنظمة البنكية في بلدين، بما يتيح تنفيذ التحويلات المالية بينهما بشكل مباشر دون الحاجة إلى وسطاء خارجيين، حيث تعتمد هذه القناة على تنسيق بين المصارف المركزية لتسهيل المدفوعات وتسوية الحسابات التجارية بسرعة وكلفة أقل.
كما تتيح القناة استخدام العملات المحلية في التبادل، عبر اتفاقيات مبادلة عملات، بدلاً من الاعتماد الكامل على الدولار أو اليورو، وتساهم في تقليل المخاطر المرتبطة بالتأخير أو القيود المفروضة على التحويلات عبر أطراف ثالثة.
نجاح مشروط
رأى المحلل الاقتصادي عبد السلام العمر أن القناة المصرفية المزمع إنشاؤها بين سوريا وتركيا تمثل خطوة تقنية مهمة لتجاوز تعقيدات التحويلات المالية، لكنها لا تعني بالضرورة انتقالاً فعلياً لتداول العملتين داخل الأسواق المحلية في البلدين.
وقال العمر في حديث لـِ "المدن"، إن استخدام الليرة التركية والليرة السورية سيبقى محصوراً في إطار التسويات التجارية بين البنوك والشركات، وهو ما يسهم في تخفيف الضغط على الدولار وخفض تكاليف الاستيراد، خاصة بالنسبة للتجار السوريين.
وأشار العمر إلى أن نجاح هذه الآلية مرهون بعدة عوامل، أبرزها استقرار سعر الصرف، وتوافر الثقة بين المؤسسات المالية، إضافة إلى قدرة مصرف سوريا المركزي والبنك المركزي التركي على بناء نظام تسويات فعال وآمن.
وأكد أن القناة المصرفية قد تعطي دفعة للتبادل التجاري، لكنها لن تكون بديلاً كاملاً عن العملات الأجنبية في المرحلة الحالية، بل أداة مكمّلة لتسهيل العمليات وتقليل المخاطر.
ميزان المكاسب
ويثير التوجه نحو القناة تساؤلات لدى الأوساط الاقتصادية حول ميزان المكاسب بين الطرفين، في ظل تفاوت واضح في قوة القطاع المصرفي والبنية المالية، ما يدفع بعض الخبراء إلى ترجيح استفادة أكبر للجانب التركي على المدى القريب.
ورأى الخبير المالي والمصرفي فراس شعبو أن القناة سوف تسهل عملية التبادل التجاري بين البلدين من خلال البنكين المركزيين، عبر عمليات المراسلة المالية وتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير، مرجحاً أن تكون كفة الاستفادة راجحة لصالح الطرف التركي، بسبب قوة البنوك التركية مقارنة بالسورية في المدى المنظور.
وقال شعبو لـِ "المدن"، إن الاتفاقية سوف تساهم في تسريع العمليات المالية بين البلدين وتخفيف اللجوء إلى السوق السوداء، "فيما تنامى حجم التبادلات التجارية بين دمشق وأنقرة إلى أكثر من مليارين ونصف دولار خلال العام، بعدما كان نحو مليار خلال السنوات السابقة".
واستبعد شعبو أن تساهم القناة، في حال بدء العمل بها، في تحسين سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، مؤكداً أن مشكلة الليرة وانخفاض قيمتها هي مشكلة هيكلية مرتبطة بالداخل السوري، والناتج المحلي الإجمالي، وتوقف الأعمال بشكل أو بآخر.
في المحصلة، قد تفتح القناة المصرفية باباً لتسهيل التبادل التجاري بين سوريا وتركيا، لكنها في الوقت نفسه تعكس واقعاً غير متكافئ بين اقتصادين مختلفين في القوة والاستقرار. وبينما تبدو الفوائد مشتركة في الشكل، يبقى تحديد الرابح الفعلي مرهوناً بقدرة كل طرف على توظيف هذه الأداة لمصلحته.
عمار محمد الدروبي - المدن
The post قناة مصرفية مشتركة… مكاسب متساوية أم أفضلية تركية؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




