قبل خمسة آلاف عام سُمّيت “خور مجان”.. ماذا تُخفي مسندم؟
الصحوة – في أقصى الشمال العُماني، حيث تنكسر الجبال في البحر وتتشكل ممرات مائية ضيقة كأنها رسمت لتكون طرقًا سرية، لا تبدو مسندم مجرد امتداد جغرافي معزول، بل نقطة تماس تاريخية لعبت أدوارًا تتجاوز حدودها الطبيعية. هنا، لا تروي الجغرافيا شكل المكان فحسب، بل تكتب تاريخه أيضًا.
لطالما فرضت الطبيعة القاسية على مسندم عزلة شبه تامة عن بقية عُمان، حيث صعّبت الجبال الشاهقة الاتصال البري، وجعلت البحر الوسيلة الوحيدة للحياة والتنقل. غير أن هذه العزلة، على خلاف ما توحي به، لم تكن انقطاعًا عن العالم، بل تحوّلت مبكرًا إلى نافذة بحرية مفتوحة، جعلت من المنطقة جزءًا من حركة الملاحة القديمة في الخليج العربي.
في هذا السياق، تشير الدراسات التاريخية إلى أن سواحل عُمان ارتبطت منذ نحو خمسة آلاف عام، أي خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، بشبكات التجارة البحرية التي كانت تديرها حضارة السومريون. وقد عُرفت عُمان في النصوص السومرية باسم “مجان”، كمصدر رئيسي للنحاس والموارد الطبيعية، وهو ما يؤكد حضورها ضمن منظومة اقتصادية بحرية مبكرة.
ويعزّز هذا الطرح ما أورده المؤرخ البريطاني دونالد هولي في سبعينيات القرن الماضي، حيث أشار إلى الامتداد البحري لعُمان في تلك الحقبة، مستندًا إلى مصادر تاريخية متعددة.. وفي هذا الإطار، تذهب بعض الروايات إلى أن الملاّحين السومريين أطلقوا على سواحل مسندم اسم “خور مجان”، في دلالة على حضورها ضمن هذا الامتداد الملاحي القديم.
ولا يُقرأ هذا المعطى بوصفه مجرد تسمية، بل كمؤشر على دور جغرافي أعمق؛ فالموقع الذي تبدو فيه مسندم اليوم نقطة مراقبة عند مدخل الخليج، كان في الماضي جزءًا من طريق بحري حيوي، تمر عبره السفن المحمّلة بالمواد الخام، في رحلة تربط بين حضارات كبرى.
ومع تعاقب الأزمنة، ظل البحر حاضرًا كعنصر حاسم في تشكيل حياة السكان، حيث اعتمدت القرى الساحلية على القوارب في التنقل والتواصل، في ظل غياب الطرق البرية. كما انعكس ذلك على أنماط العمران البسيطة، وعلى بنية اجتماعية اتسمت بالترابط والتكافل، فرضتها تحديات البيئة.
غير أن هذه الصورة بدأت تتبدل مع دخول مظاهر التنمية الحديثة في عهد النهضة بقيادة المغفور له السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه ، حيث تم ربط المنطقة بشبكات الطرق، وتوفير الخدمات الأساسية، ما أسهم في تقليص العزلة التاريخية، دون أن يُلغي تأثير الجغرافيا… فمسندم، رغم كل التحولات، لا تزال تحتفظ بخصوصيتها، بوصفها منطقة صاغتها الطبيعة، ومرّت عبرها طرق التاريخ.
اليوم، لم تعد أهمية مسندم محصورة في بعدها المحلي أو التاريخي، بل تتجلى بشكل أوضح في موقعها عند مدخل مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تعبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، هذا الموقع يعيد إنتاج الدور ذاته الذي لعبته المنطقة قبل آلاف السنين؛ بوابة عبور، ونقطة تحكم في حركة الملاحة، ومفصلًا جغرافيًا لا يمكن تجاوزه.
وبين “خور مجان” التي عرفها السومريون، ومسندم التي يعرفها العالم اليوم، تمتد قصة مكان لم تغيّره الأزمنة بقدر ما أعادت تعريفه، فالجغرافيا هنا لم تكن يومًا حدودًا، بل كانت دائمًا بداية.





