خالد المطلق
لا تكمن الخطورة دائمًا في القرارات المعلَنة بل في تلك التي تُطبخ بعيدًا عن أعين الناس ثم تصل إليهم على هيئة أمر واقع، ولعل أكثر ما يثير القلق اليوم هو اتساع الفجوة بين ما تقوله الدول عن السيادة والمصلحة الوطنية وبين ما تفعله حين تتقاطع السياسة مع المال والنفوذ والمصالح الإقليمية والدولية، فنحن لا نقف اليوم أمام مجرد زلات لسان عابرة أو مناكفات حزبية تتكسر أطرافها على أعتاب البرلمانات، بل أمام ما قد يكون الفضيحة الكبرى في التاريخ السياسي الحديث فضيحة تتحطم فيها هيبة الدول وتتحول السيادة الوطنية سواء في أروقة البيت الأبيض أو في العواصم التي تنهض من رماد حروبها كدمشق إلى سلعة رخيصة تُباع وتُشترى في غرف مغلقة ومظلمة.
إن المشهد السريالي الذي تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يواجه الرئيس دونالد ترامب اتهامات ثقيلة بـ”بيع القرار السيادي للوبيات المال والتكسب المالي على شكل مشاريع سياحية خدمة لأغراض سياسية كما حدث في ألبانيا وسوريا” بعد تسريبات كشفت عنها منصات إعلامية تقدمية كبرنامج “The Young Turks”، ليس فصلًا منعزلًا عن مأساة منطقتنا، بل هو النسخة الغربية من نموذج عالمي واحد يُدار بقواعد “الكازينو” حيث الطاولة مصممة بعناية لكي تخسر الشعوب وحدها دائمًا، هذا السؤال عن تأثير المال في السياسة يبدو أكثر إلحاحًا وحرقة في سوريا حيث أنهكت الحرب الاقتصاد والمجتمع، ودفع السوريون ثمنًا هائلًا من حياتهم وأمنهم ومواردهم.
ومع الحديث المتزايد عن مرحلة سياسية واقتصادية جديدة، نجد أن عملية “التبني البراغماتي” التي مارستها القوى الدولية والإقليمية تجاه شخصيات مثل أحمد الشرع لم تأتِ من عبث أو حب للسلام، بل هي صفقة باردة بامتياز تُمنح بموجبها شرعية الانتقال السياسي وإسقاط العقوبات مقابل التزام تام بضبط حدود إسرائيل ووأد أي مشروع وطني حقيقي، فالمواطن السوري البسيط الذي طحنه التضخم وأنهكته سنوات اللجوء والدمار يكتشف اليوم أن تضحياته تحولت إلى أوراق عملة في أسواق البورصة السياسية تمامًا كما يشعر المواطن الأمريكي بأن صوته الانتخابي ليس سوى وهم مهترئ أمام سطوة الشيكات المليارية واللوبيات المؤيدة لإسرائيل.
ولا تتوقف الكارثة عند حدود تقاسم النفوذ السياسي، بل تمتد لتأكل رغيف الخبز ومدخرات الأجيال، ففي الوقت الذي تكشف فيه الصحافة الأمريكية عن استغلال النخب لمعلومات داخلية لتحقيق أرباح خيالية من جيوب المتقاعدين البسطاء “بينما تُهدر أموال الضرائب على بناء قاعات رقص ذهبية ومخابئ رئاسية”، نجد سيناريو مشابهًا يُطبق بحذافيره في المشهد السوري الاقتصادي وعقود الاستثمار الكبرى التي جرى توقيعها مؤخرًا ولا سيما في قطاعات البنية التحتية والمرافق الحيوية في الساحل السوري وفي قلب العاصمة لا تُدار بمعايير وطنية شفافة، فالساحل والطاقة والعقارات ليست مجرد مشاريع ربحية بل أجزاء من الاقتصاد الوطني، وحين تُمنح هذه العقود لتكتلات استثمارية وعائلية ضخمة تتقاطع مصالحها مع دوائر نفوذ عابرة للقارات “يتردد صداها في كواليس صفقات صهر ترامب كوشنر وأروقة المال في واشنطن والدوحة”، نرى بوضوح دور مهندسي المال الإقليميين وشبكات رجال الأعمال، وهنا يبرز اسم عائلة الخياط (معتز ورامز)، وهما أبناء شقيقة محمد حمشو، ليتحولا إلى واجهة اقتصادية جديدة تقود قاطرة ما يسمى بمشاريع إعادة الإعمار والاستحواذ، هذه الواجهات الجديدة ليست سوى عملية “تدوير للأحواض الاقتصادية”، حيث يُبعد الوجهاء القدامى شكليًا ليحل محلهم شبكات عائلية وجهوية مدعومة بمال قطري وغطاء دولي تضمن هيمنة النخب الجديدة على شريان الاقتصاد بعيدًا عن أي رقابة شعبية، وكما علّمتنا التجارب فإن الفساد لا يحتاج إلى مسؤول يمد يده مباشرة للمال العام بل يكفي غياب الشفافية وضعف المؤسسات، وأن يشعر المواطن بأن الفرص تُوزع على أساس القرب من مراكز القوة وأن الوجوه قد تتغير بينما تبقى القواعد القديمة نفسها.
إن ما نراه اليوم هو “كوميديا سوداء” مكتملة الأركان، فالسياسيون لا يختلفون سواء كانوا “بدلات فارغة” تعج بها واشنطن أو أدوات تعيد إنتاج النظام في دمشق بثوب استثماري جديد، وسوريا التي تتطلع إلى الخروج من سنوات الحرب لا تحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي ولا إلى الارتهان لمحور خارجي بدلًا من آخر، إنما تحتاج إليه هو عقد اقتصادي وسياسي واضح “دولة قانون ومناقصات شفافة ومؤسسات رقابية مستقلة وقضاء يستطيع المحاسبة، واقتصاد تكون فيه الأولوية لخلق فرص العمل وتحسين حياة الناس”، إن العفريت الذي وضع أمريكا وسوريا معًا على كفه بدأ بالفعل يطيح بالجميع في أتون عاصفة لا تبقي ولا تذر، فالسيادة ليست شعارًا يُرفع في الخطب ولا ورقة تفاوضية، السيادة الحقيقية هي أن يعرف المواطن كيف تُتخذ القرارات ومن يستفيد منها، وحين تغيب المؤسسات والشفافية يتحول الانفتاح على الخارج إلى باب جديد لتدوير النفوذ والثروة ويتحول حتى أكثر المشاريع لمعانًا إلى خسارة يدفع ثمنها المواطن وحده، والمطلوب اليوم ليس البحث عن عدو جديد بل بناء نظام لا يسمح أصلًا بأن تتحول الدولة إلى سوق مغلقة، فحين تكون القواعد عادلة وعلنية يُصبح الاستثمار فرصة حقيقية للبلاد وشعبها.




