حين تتكلم الجغرافيا بالنفط… ما الذي يعنيه عودة العراق إلى بانياس؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
لم يكن عبور القافلة العراقية الأولى، المؤلفة من 299 صهريجًا من زيت الوقود عبر منفذ التنف باتجاه بانياس، مجرد إجراء لوجستي لتفريغ الشحنات وإعادة تصديرها بحرًا، بل حمل دلالة أعمق تتجاوز النقل المباشر إلى ما يشبه الإعلان العملي عن عودة منطق المصلحة والجغرافيا إلى العلاقات السورية العراقية.
في الظاهر، نحن أمام اتفاق توريد ونقل طاقة. لكن في العمق، تبدو الخطوة أقرب إلى بداية مسار اقتصادي جديد يراهن على إعادة وصل ما انقطع بين بلدين فرضت عليهما التحولات السياسية والأمنية خلال العقود الماضية أن يبتعدا عن واحدة من أكثر صيغ التكامل الطبيعي بينهما. فالعقود التي أبرمتها شركة سومو العراقية لتوريد 650 ألف طن شهريًا حتى يونيو 2026، لا تعكس فقط حاجة عراقية إلى تنويع المسارات التصديرية، بل تعكس أيضًا إدراكًا بأن ضغط الجنوب وحده لا يكفي، وأن المتوسط يظل خيارًا جغرافيًا واقتصاديًا لا يمكن تجاهله.
في المقابل، تمنح هذه الحركة دمشق فرصة لاستعادة جزء من دورها الإقليمي بوصفها ممرًا للطاقة، لا مجرد دولة عبور عادية. فبانياس هنا ليست اسمًا لميناء فقط، بل هي عقدة تاريخية في ذاكرة النفط العراقي والسوري معًا. ومن هذه الزاوية، تكتسب الإشارة إلى خط كركوك – بانياس أهميتها الخاصة. فهذا الخط، الذي افتتح عام 1952، لم يكن مجرد مشروع تقني، بل كان في زمانه تعبيرًا عن رؤية استراتيجية ربطت شمال العراق بالساحل السوري، ومنه إلى الأسواق الأوروبية، بقدرة تصميمية قاربت 300 ألف برميل يوميًا.
ورغم أن ذلك الخط توقف في محطات تاريخية معروفة بفعل الانقلابات السياسية والتوترات الإقليمية والحروب، فإن فكرته لم تغب نهائيًا. ولهذا، فإن مشهد الصهاريج العراقية في بانياس اليوم لا يمكن قراءته فقط بصفته بديلًا مؤقتًا عن الأنابيب، بل بوصفه استعادة رمزية وعملية لمنطق قديم يقول إن الجغرافيا، حتى بعد سنوات الانقطاع، تعود لتفرض نفسها حين تنضج الحاجة.
كما أن تصحيح الرقم المتداول من 61 صهريجًا إلى 299 ليس تفصيلًا هامشيًا، بل عنصر مهم في فهم حجم العملية وجديتها. فنحن لا نتحدث عن شحنة محدودة للاختبار، بل عن مؤشرات أولية إلى مسار منظم يمكن أن يتوسع إذا توفرت له الحماية السياسية والاقتصادية اللازمة.
الأهم من ذلك أن هذه الخطوة تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يعاد النظر في كثير من مسارات التجارة والطاقة والنقل. ومن هنا، قد لا يكون ما يجري الآن نهاية مسار، بل بدايته. فالعراق يريد توسيع خياراته، وسوريا تبحث عن استعادة وظيفة إقليمية مفقودة، وبانياس تعود تدريجيًا إلى الواجهة بوصفها أكثر من مرفأ: بوصفها علامة على أن خرائط الطاقة في المشرق لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.



