د.علي المبروك أبوقرين
يأتي مولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهو مولد أمة، وميلاد منظومة من القيم أعادت للإنسان مكانته، وجعلت الرحمة خلقاً ومسؤولية، وجعلت حفظ النفس ورعايتها من أعظم ما تستقيم به الحياة. ومن موقع الطبيب أجد أن من أجمل ما يمكن أن نستحضره في هذه المناسبة أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً وعميقاً: ماذا بقي من الرحمة التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ في مهنة تقوم في جوهرها على الإنسان، وفي نظام صحي يفترض أن يكون أول ملجأ للإنسان حين يضعف ويخاف ويتألم؟ لقد كان النبي ﷺ رحيماً بالناس قريباً منهم رفيقاً بضعفهم، ولم تكن الرحمة عنده كلمة تقال، وإنما سلوكاً وموقفاً ومسؤولية. والطب في حقيقته ليس علماً فقط، ولا شهادة ولا مستشفى ولا جهازاً ولا دواء؛ الطب قبل ذلك كله رحمة ثم علم ثم أمانة. وقد قال نبينا ﷺ: مَن لا يَرحم لا يُرحم، وقال في طلب العلاج: تداووا عباد الله، وقال ﷺ إن الله أنزل الداء والدواء، في معنى يضع البحث عن العلاج والمعرفة الطبية في دائرة المسؤولية. ولهذا فإن الطبيب الذي لا يملك الرحمة مهما امتلك من الشهادات والخبرة يفقد معنى مهنته، والمستشفى الذي لا يرى في المريض إلا رقماً أو ملفاً أو قدرة على الدفع يفقد رسالته، والنظام الصحي الذي يعجز المريض فيه عن الوصول إلى الطبيب أو الدواء أو العلاج الآمن إنه حرم الإنسان حقه الأصيل. ولعل مناسبة مولد النبي ﷺ تجعلنا أكثر قدرة على النظر إلى حال المريض في ليبيا بعيداً عن لغة الأرقام والتقارير. فهناك مريض يتألم وأسرة تخاف وأب يبحث عن دواء وأم تحمل وصفة من صيدلية إلى أخرى ومريض مزمن لا يعرف هل سيجد علاجه غداً ومريض سرطان قد يتحول البحث عن الدواء بالنسبة إليه إلى رحلة شاقة، ومريض يحتاج إلى دواء أصلي وموثوق فيجد نفسه أمام سوق لا يستطيع أن يثق بكل ما يعرض عليه، وقد يضطر إلى دفع ما لا يملك أو السفر بحثاً عما يفترض أن يكون متاحاً له في وطنه. وهنا يصبح الحديث عن الرحمة حديثاً عن النظام الصحي نفسه. فالرحمة في الصحة ليست أن نشفق على المريض بعد أن يعجز النظام عن خدمته، وإنما أن نبني نظاماً لا يتركه أصلاً وحيداً أمام المرض. الرحمة أن يجد الطبيب والمستشفى ويجد التشخيص الصحيح والدواء المضمون وأن يعرف أن حياته لا تتوقف على قدرته المالية، وأن لا تتحول معاناته إلى فرصة للاستغلال. والرحمة أن يكون الدواء الذي يصل إلى المريض دواءً أصلياً موثوقاً، محفوظاً في سلسلة إمداد سليمة خاضعاً للرقابة ومتاحاً لمن يحتاجه وليس سلعة نادرة يطاردها المريض في سوق مضطرب. إن المريض لا ينبغي أن يُلام لأنه مرض ولا أن يُعاقب لأنه فقير ولا أن يتحول المرض إلى امتحان لقدرة أسرته على الدفع. والصحة في معناها الإنساني والحضاري ليست منّة من أحد وإنما حق للإنسان ومسؤولية على الدولة والمجتمع والمؤسسات والمهنة. وإذا كنا نحتفل بمولد من جاء رحمة للعالمين، فإن أقل ما ينبغي أن نتعلمه من هذه الرحمة أن الإنسان المريض يجب ألا يكون الحلقة الأضعف في وطنه وبين أهله ومجتمعه. وليس المطلوب من الطبيب أن يصنع المعجزات، ولا أن يحمل وحده أخطاء النظام كله. الطبيب نفسه يحتاج إلى نظام يحميه ودواء موثوق ومؤسسة محترمة وتجهيزات وتدريب مستمر وبيئة مهنية سليمة ووقت كافٍ ليستمع إلى مريضه ويشخصه ويعالجه. فالرحمة بالطبيب أيضاً جزء من الرحمة بالمريض لأن الطبيب المرهق والمهمش والمحاصر بنقص الإمكانات لا يمكن أن نطالبه وحده بإصلاح نظام كامل. ومن الهدي النبوي كذلك احترام العلم والأخذ بالأسباب، ولذلك فإن ممارسة الطب ليست مكاناً للتخمين أو التجربة غير المنضبطة أو الادعاء أو الجهل. المريض أمانة والتشخيص أمانة والوصفة أمانة والدواء أمانة والخبرة أمانة والسر الطبي أمانة، والقرار العلاجي أمانة. ومن هنا فإن الطبيب مطالب بأن يتعلم باستمرار وأن يعرف حدود علمه، وأن يستشير حين يحتاج إلى الاستشارة، وأن يحيل المريض حين تتجاوز حالته قدرته، وأن يضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار آخر. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للطب أن تتحول المهنة من رسالة إلى سوق، وأن يتحول المريض من إنسان إلى زبون، وأن يصبح المال معياراً للوصول إلى العلاج، وأن يصبح الدواء سلعة تجارية قبل أن يكون علاجاً، وأن تتراجع قيمة الثقة بين الطبيب والمريض. وفي ليبيا ربما نحتاج اليوم إلى أن نعيد اكتشاف هذه الروح قبل أن نتحدث عن إعادة بناء المباني والمستشفيات. نحتاج إلى إعادة بناء مفهوم الصحة نفسه، وإلى استعادة حق المواطن في خدمة صحية آمنة وعادلة وفي دواء أصلي وموثوق، وفي علاج لا يجعله المرض فقيراً ولا يجعله الفقر محروماً من العلاج. نحتاج إلى دولة ترى الصحة استثماراً في الإنسان وليست بنداً مالياً فقط، وإلى إدارة صحية ترى المريض إنساناً ليس رقماً، وإلى طبيب يرى مهنته أمانة لا مجرد وظيفة، وإلى مجتمع لا يقبل أن يترك المريض وحيداً أمام مرضه. وفي ذكرى مولد النبي ﷺ، لا أريد أن أقدم درساً في الطب ولا خطبة في الدين، وإنما أتمنى كطبيب أن نقف لحظة أمام السؤال الأصعب لو دخل مريض اليوم إلى مستشفى ليبي، ماذا سيجد من الرحمة التي نتحدث عنها؟ هل سيجد طبيباً يسمعه وتشخيصاً آمناً؟ هل سيجد دواءه؟ وهل سيجد خدمة لا تتوقف على قدرته على الدفع؟ وهل ستجد أسرته من يطمئنها ويحترم خوفها ومعاناتها؟ وهل يستطيع هذا المريض أن يقول إنه يعيش في ظل نظام صحي حفظ حقه في الصحة عندما كان في أشد حالات ضعفه؟ هذه هي المسافة التي ينبغي أن ننظر إليها بصدق. إن مناسبة ذكرى مولد النبي المصطفى ﷺ فرصة لأن نسأل ماذا فعلنا بالقيم التي جاء بها إلى حاضرنا. وإذا كانت الرحمة قد كانت واحدة من أعظم معاني رسالته، فإن أصدق احتفال بها في ميدان الطب أن نجعلها حاضرة في العيادة والمستشفى والصيدلية وقرار الوزارة وميزانية الدولة وفي كل مكان يلتقي فيه الإنسان بالمرض. فالمريض الذي يتألم يحتاج أن يجد الرحمة. وإذا كان مولد نبي الرحمة ﷺ قد أخرج أمة من ظلمات الجاهلية إلى نور القيم والمعرفة والإنسانية، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نخرج صحتنا من الفوضى والإهمال والاستغلال إلى نظام يحترم الإنسان ويحفظ كرامته ويصون حياته ويجعل العلاج حقاً وليس امتيازاً والدواء أمانة وليس سلعة، والطبيب إنساناً قبل أن يكون ممارساً، رحم الله أياماً كان فيها الإنسان هو البداية والغاية، ونسأل الله أن يكون مولد سيدنا ونبينا ومعلمنا ﷺ تذكيراً لنا بأن أعظم ما يمكن أن نعيده إلى طبنا وصحتنا اليوم الرحمة التي تجعل لكل ذلك شئ معنى.
*كل عام وبلادنا وأهلنا والأمة الإسلامية بخير وصحة وعافية*
The post حين نضع مولد سيد الخلق نبي الرحمة ﷺ أمام سرير المريض appeared first on الموقف الليبي.





