أقامت المديرية العامة للأوقاف الإسلامية في لبنان احتفالاً بمناسبة ذكرى المولد النبوي بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، وعلماء وإعلاميين والعديد من الشخصيات، وذلك في قاعة مسجد محمد الأمين وسط بيروت.
وقال دريان في كلمة له: "إنَّ أمتنا وأوطاننا في هذه الحقبة، تواجه تحديات ما واجهت مثلها منذ أزمنة بعيدة. أمامنا حرب الإبادة في غزة ، والحرب المشتعلة في لبنان، حيث يسقط شهداء كل يوم. لكن أمامنا وعندنا عهد جديد، صمم رئيسه وصممت حكومته ورئيسها على التغيير، والخروج من حالة الجمود التي تحكمت بالبلاد والعباد من سنوات وسنوات".
وأضاف: "نحن مع هذا الرئيس وهذا العهد، وهذه الحكومة ورئيسها في مساعيهم لوقف العدوان الصهيوني وتحرير الأرض، وفرض سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية. ونحن مع الرئيس والحكومة ورئيسها في جهود الخروج من المأساة الاقتصادية والمعيشية. ونحن مع الجديد في العلاقة بالشقيقة سوريا. ونحن مع العلاقات التي تتوثق كل يوم بالمملكة العربية السعودية، المملكة التي دأبت على خدمة الحرمين الشريفين، وتعمل على أن تكون سائر ديار العرب والمسلمين في مواقع العزة والأمان، وهذا هو معنى التحالف الدفاعي الجديد مع تركيا وباكستان".
وأردف دريان: "إنه في الوقت الذي نواجه فيه تحديات الحرب والاحتلال، نجد أن مشكلات كبرى مضت عليها أعوام وأعوام، تجد حلاً مثل قانون العفو العام، الذي كنا نطمح أن يكون أقوى وأوسع وأشمل؛ لكنه حل ما جرأت عليه عهود وحكومات من قبل . ونحن نطمح أن تجد العدالة في جريمة انفجار المرفأ ، ما يعيد بعض السكينة إلى قلوب المصابين وعقولهم".
وتابع: "فالجديد الجديد الذي بشر به هذا العهد، ومشت فيه هذه الحكومة ورئيسها، يستحق أن يجد تصديقا وثقة أيضا في واقعة المرفأ الهائلة"، قائلاً: "لا بد من أن نمتلك شجاعة الأمل، وشجاعة السلم. وذوو الخبرة منكم يعرفون أن السلام يكون في الكثير من الأحيان أصعب من الحرب. ويظن كثيرون اليوم أن اندفاعات الأفعال وردود الأفعال، هي الأولى بالاعتبار. لكن رسول الله، كان هو الطرف الأقوى في الحديبية، لكنه مال للمصالحة أو المهادنة، رغم معارضة البغض من أصحابه، وقد ترتب على تلك المهادنة نتائج صنعت عهداً جديداً، سماه القرآن الكريم فتحاً. فقرار المهادنة لوقف الاعتداءات والتدمير الهائل قرار شجاع، أما قرار الحرب فقد لا يكون هو الملائم حالياً للحياة الحرة والكريمة، والمستقبل الواعد".

مسعى شجاع وحكيم
وقال دريان: "في تراثنا تمجيد كثير وكثير للحرب والجهاد. لكن تاريخنا يمجد أيضاً أولئك الذين صنعوا السلم مثل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، الذي أوقف القتال بالداخل، وأعاد الجيش الذي كان يحاصر القسطنطينية. ولست أقول هذا لأدين أو أرحب بهذا التصرف أو ذاك، بل لأقول: إنَّه وسط المعاناة الكبيرة فإن مسعى الحكم اللبناني لوقف الإعتداءات الإسرائيلية والتدمير الهائل هو مسعى شجاع وحكيم، بعد أن دمرت حروبنا بالداخل وعلى الخارج، ما لا يمكن استعادته ولا نسيانه. إنه سبيل بعد كل الحسابات، ولا مخرج غيره، وهو يتطلب الصبر، ويتطلب التحمل، وينظر بعيون الغد، عيون أطفالنا وشيوخنا، الذين ما عرفوا غير سبيل واحد ، هو سبيل العنف والدمار، وآن لهم أن يأملوا بمستقبل أفضل".
وأضاف: "إن دار الفتوى تعد أي استهداف لرئاسة الحكومة، هو استهداف للوطن بكل طوائفه، وترفض أيضا استهداف أي من الرئاسة الأولى والثانية. وتعد التعاون والتنسيق بين الرئاسات الثلاثة هما ضمان وحدة لبنان، ووحدة أبنائه، للخروج من أزماته المتلاحقة . وهو ما نحرص عليه دائماً. وستبقى دار الفتوى مستمسكة برسالتها الدينية، وسائرة على نهجها الإسلامي والوطني الوسطي المعتدل، مهما اشتد وقع السهام المغرضة عليها".
وختم دريان بالقول: "لمناسبة ذكرى المولد النبوي، مولد الفرح والجديد، أريد أن أتعرض اليوم لما يحيط بدار الفتوى من استقطابات لا تستحقها. دار الفتوى، ورئاسة الحكومة ، وبسبب الحروب والفتن، قدمت شهداء كانوا يعملون من أجل السلم والأمن. هذه الدار حصن من حصون الوطنية، القائمة دائماً على السلم والتعافي، وكراهية الفرقة بين المواطنين، والاحترام لكل ذوي النوايا والأعمال الحسنة. والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى عماد دار الفتوى منذ المرسوم الاشتراعي رقم 18 عام 1956، هو سيد نفسه، ويملك صلاحيات تشريعية واضحة. ويمكن بالقليل والضئيل من التفكير والتأمل، والنظر بعيون العقل والمستقبل والمراجعة، أن يحفظ للدار العريقة احترامها، وإبعادها عن الانقسامات والتحديات. فالدين متنفسه قوة ناعمة. ونعلم جميعا كم عانى ويعاني عندما أدخل في دوامة الانقسامات، لتسويغ العنف والفرقة، وتحديات النزاع مع الدول والمجتمعات. فلنحفظ لدار الفتوى استقلالها وسلامها لكي تبقى حافظة وحدة المسلمين، وعاملة من أجل خير الوطن والمواطنين".




