كما أن قصة الغنيمة في تاريخنا العربي، الممتد طولاً وعرضاً، هي قصة الهزيمة بامتياز، فإن قصة الاستفراد السياسي بالمشهد العام، من قبل أي تيار أو تنظيم داخل الدولة، هي قصة الاستبعاد، القصتان وجهان لعملة واحدة، الغنيمة استفراد، والهزيمة استبعاد. نعم، قصة الغنيمة في تاريخنا غريبة، بدأت أول هزائمنا بسبب الغنيمة، ثم وقفنا مرغمين عند آخر نقطة وصلت إليها فتوحاتنا بسبب الغنيمة أيضاً، في شهر شوال العام الثالث للهجرة كان قائد المعركة النبي عليه الصلاة والسلام، كادت المواجهة أن تنتهي بانتصار المسلمين، لكن الرماة خالفوا أمر النبي بالصمود على قمة الجبل، ربما خافوا من أن تضيع فرصتهم في الغنيمة، فكانت «أُحُد»، وشهد الجبل العظيم استشهاد 70 رجلاً من خيرة جنود المسلمين، حدث ذلك بسبب الغنيمة. في عام 114 هجري (732 ميلادي) كانت آخر معارك الفتح الإسلامي لاجتياز جبال البرنس وفتح فرنسا والوصول إلى قلب أوروبا، قائد المعركة عبد الرحمن الغافقي واجه الفرنجة بقيادة مارتل، انتهت المواجهة بهزيمة المسلمين، استشهد الغافقي ودفن في ساحة (بلاط الشهداء)، كان السبب -كما يقول المؤرخون- الغنيمة، الغنيمة ليست مجرد فيء يتبقى مما يتركه الجنود، ولا أرضاً جديدة يمكن الاستيلاء عليها بعد الانتصار، وإنما إحساس داخلي بالجوع وشهوة السيطرة والابتلاع، الغنيمة السياسية التي تعمي العيون عن رؤية الواقع، وتلغي العقل عن التفكير بالمآلات، وتمنح الذات الحق الحصري في الاستحواذ على كل شيء. في تاريخنا الوطني،أيضاً، قصة الاستفراد هي قصة الاستبعاد بامتياز، حدث ذلك في أول تجربة حكومة حزبية شهدها بلدنا (أكتوبر 1956)، آنذاك حاول الحزب الوطني الاشتراكي برئاسة سليمان النابلسي أن يستفرد بالقرار، بعد خمسة أشهر تم إقاله الحكومة، وانتهت معها أول وآخر تجربة للحكومة الحزبية إلى يومنا هذا، الواقعة تكررت كثيرا، ربما آخر نسخة وصلتنا منها ما فعله الإسلاميون بعد 7 أكتوبر في الشارع، وما يحاولون تكراره الآن في البرلمان، استفرادهم بالشارع كانت نتيجته حل الجماعة وحظر نشاطاتها، استفرادهم، الآن، بالبرلمان ربما يفضي إلى النتيجة ذاتها، الاستفراد أقصر طريق للاستبعاد. في التجربتين؛ تجربة الغنيمة مع الهزيمة، والاستفراد مع الاستبعاد، لا يهم كيف حدث ذلك، ولماذا، من أخطأ ومن أصاب، من ربح ومن خسر، من حضر ومن غاب، المهم أن من يفقد الرؤية الصحيحة، ويصر على قراءة التاريخ بالمكابرة والعناد، ظناً منه أنه آخر حلقاته، أي افضلها، أو أنه خارجها، هؤلاء غالبا ما يدفعون الثمن، لأنهم لا يفهمون الواقع، ولا يتعلمون من دروس التاريخ. ــ الدستور



