لا تمثل القدس بالنسبة للأردن ملفاً خارجياً تقليدياً، بل قضية مركزية ترتبط مباشرة بأمن المملكة وهويتها الوطنية ودورها التاريخي ومسؤوليتها القانونية والدينية تجاه المدينة ومقدساتها. فالقدس حاضرة في الوعي السياسي الأردني وفي ثوابت سياسته الخارجية، كما تشكل الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية أساساً عملياً لهذا الالتزام. ومن هذا المنطلق، تتحرك الدبلوماسية الأردنية على جبهات عربية وإسلامية ودولية لحشد المواقف، وتثبيت الحقوق الفلسطينية، وحماية هوية المدينة، والتصدي للمحاولات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير واقعها القانوني والتاريخي والديموغرافي، وفرض وقائع أحادية تهدد مكانتها ومستقبلها وفرص السلام العادل في المنطقة، وتغلق الباب أمام قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وقد عكس الاجتماع الوزاري الذي استضافته عمّان لدعم القدس هذا الدور المتقدم. فالأردن لم يكتف بإصدار موقف سياسي، بل جمع وزراء خارجية الدول العربية الأعضاء في اللجنة الوزارية المكلفة بالتحرك الدولي، بمشاركة ممثلين عن دول إسلامية مؤثرة، من بينها تركيا وإندونيسيا وباكستان وماليزيا. وكان الهدف الأساسي تحويل القلق العربي والإسلامي من التطورات المتسارعة في القدس إلى موقف موحد وخطة تحرك قابلة للاستمرار.
ويستند هذا التحرك إلى توجيه مباشر من جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي أكد خلال استقباله أعضاء اللجنة أن حماية القدس تتطلب موقفاً عربياً وإسلامياً مشتركاً، خصوصاً في ظل الإجراءات الإسرائيلية غير المسبوقة في المسجد الأقصى المبارك والحرم القدسي الشريف. كما حذر جلالته من استغلال الأزمات التي تشهدها المنطقة لفرض وقائع جديدة في المدينة، ومن خطورة الربط بين التصعيد في القدس ومحاولات ضم الأراضي وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، بما يقوض حل الدولتين ويهدد فرص السلام والأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها
وتقوم الدبلوماسية الأردنية في هذا الملف على ثلاثة مسارات متكاملة. يتمثل الأول في تثبيت المرجعيات السياسية والقانونية، وفي مقدمتها أن القدس الشرقية أرض فلسطينية محتلة، وأن الإجراءات التي تتخذها إسرائيل فيها لا تنشئ حقوقاً قانونية ولا تمنحها السيادة على المدينة. كما يؤكد الأردن أن القدس الشرقية هي عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967، وأن حل الدولتين ما يزال الطريق الوحيد القادر على إنتاج سلام عادل ومستدام. ويرتكز هذا الموقف على قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، ورفض جميع محاولات الضم والاستيطان والتهجير أو تغيير هوية القدس وتركيبتها السكانية، بما يحفظ الحقوق الفلسطينية ويمنع تكريس الاحتلال.
أما المسار الثاني، فيرتبط بحماية الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات في إطار الوصاية الهاشمية. فالأردن يتعامل مع المسجد الأقصى المبارك بكامل مساحته البالغة 144 دونماً بوصفه مكان عبادة خالصاً للمسلمين، وتتولى إدارته دائرة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية. وفي الوقت نفسه، تمتد المسؤولية الأردنية لتشمل الدفاع عن الكنائس والممتلكات المسيحية ورفض القيود المفروضة على وصول المصلين ورجال الدين إلى أماكن عبادتهم.
ولا تقتصر الوصاية الهاشمية على بعدها الرمزي؛ إذ تشكل مظلة عملية تحول دون استفراد سلطات الاحتلال بالمقدسات وفرض إدارة إسرائيلية مباشرة عليها. ولهذا يواصل الأردن الاحتجاج على اقتحامات المسجد الأقصى، ومحاولات التقسيم الزماني والمكاني، وأعمال الحفر في محيطه، والتدخل في عمل الأوقاف، بالتوازي مع التصدي لمحاولات الاستيلاء على أملاك الكنائس أو التضييق على المؤسسات الدينية المسيحية.
ويتمثل المسار الثالث في بناء تحالف دبلوماسي واسع ينقل قضية القدس من نطاق البيانات التقليدية إلى فضاء العمل الدولي المنظم. وتشمل هذه الجهود التواصل مع عواصم القرار، والتحرك داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والتنسيق بين جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. كما تضمنت مخرجات اجتماع عمّان الدعوة إلى عقد اجتماع عربي إسلامي رفيع المستوى على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بهدف الحفاظ على الزخم السياسي وتوسيع دائرة الضغط الدولي.
وتبرز في هذا السياق أهمية التوجه نحو إنشاء آلية مؤسساتية دائمة ومنصة إعلامية مشتركة تتولى توثيق الانتهاكات الإسرائيلية في القدس، وتقديمها إلى المنظمات الدولية والرأي العام العالمي بلغة قانونية وإعلامية مؤثرة. فالمعركة حول القدس لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة رواية وصورة ومعلومة، تتطلب مواجهة الرواية الإسرائيلية بالأدلة والوثائق، وإبراز أثر الانتهاكات في حرية العبادة ومستقبل السلام والأمن الإقليمي.
كما تولي الجهود الأردنية أهمية خاصة لتعزيز صمود المقدسيين، انطلاقاً من أن حماية هوية المدينة لا تتحقق بالمواقف الدبلوماسية وحدها. ولذلك يدعو الأردن إلى دعم المؤسسات الفلسطينية في القدس، وتوفير المساندة الاقتصادية والتنموية للسكان، وحماية ممتلكاتهم، والتصدي لسياسات التهجير ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني. فبقاء المقدسيين في مدينتهم يشكل خط الدفاع الأول عن هويتها العربية والإسلامية والمسيحية.
وتستخدم عمّان أيضاً خطاب التحذير المسؤول لإقناع المجتمع الدولي بأن العبث بالقدس لا يمكن احتواؤه داخل حدود الأراضي الفلسطينية. فمحاولات تغيير هوية المسجد الأقصى أو انتهاك حرمته قد تدفع الصراع من إطاره السياسي القابل للحل إلى مواجهة دينية مفتوحة، بما تحمله من تداعيات خطيرة على أمن المنطقة والعالم.
بهذا التحرك، يؤكد الأردن أن الدفاع عن القدس ليس موقفاً موسمياً، بل سياسة دولة مستمرة تجمع بين الشرعية القانونية والوصاية الهاشمية والعمل العربي الإسلامي المشترك. والرسالة الأردنية واضحة: السيادة على القدس فلسطينية، والوصاية على مقدساتها هاشمية، أما حمايتها فهي مسؤولية عربية وإسلامية ودولية لا تحتمل التأجيل.
*أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
ــ الغد