🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
210291 مقال 125 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2172 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

هشاشة القوة: تلويحة لامين يامال وسيكولوجية الهلع

سياسة
حبر
2026/06/04 - 13:19 501 مشاهدة

هناك «معجزة» غير قابلة للتفسير حتى الآن. فكلما مُحيت فلسطين في عالم الواقع أكثر -تحت تأثير الإبادة والاستيطان- تضخمت في عالم الرمز وأصبحت أكثر رسوخًا في كل مكانٍ من هذا العالم. وهذه المعجزة هي معضلة «إسرائيل» وفخها الأعظم. لأن المحو لا يكون محوًا إلا إذا نفذ إلى عالم الرمز، فإذا ظل مشدودًا إلى الأرض، بقي دالًا بلا مدلول.

ولذلك شاهت الوجوه وساد الهلع في «إسرائيل» والأوساط الغربية الداعمة لها بمجرد رؤية لاعب فريق برشلونة لامين يامال يلوّح بعلم فلسطين خلال احتفالات التتويج بلقب الدوري الإسباني مؤخرًا. قطعة قماش كانت كافيةً لتبث الرعب في قلوبهم، شأنها شأن كوفية أو صورة بطيخة ثلاثية الألوان، ترتعد بسببها فرائص معسكر الإبادة من أقصاه إلى أقصاه. وبعد أقل من أسبوع، في ذكرى النكبة اعتُقل ستة نشطاء في باريس بعد رفعهم علمًا فلسطينيًا كبيرًا من الطابق الأول لبرج إيفل. رغم أن البرج نفسه يتوشح بألوان «العلم الإسرائيلي» كل سابعٍ من أكتوبر، وهي لفتة لم يُعتقل بسببها أحد.

تُسلط هاتان اللحظتان الضوء على ظاهرة تسارعت وتيرتها بشكلٍ كبير منذ بداية حرب الإبادة، وهي حالة الهلع المؤسسي والسياسي والنفسي التي أثارتها الرموز الفلسطينية في الحياة العامة الغربية والإسرائيلية. وهي ظاهرة أيديولوجية متماسكة، تستند في آنٍ واحد إلى سياسات طمس الهوية وسيكولوجية الهوية المهددة والقوة السيميائية للرموز. فما نشهده ليس استجابة أمنية لتهديد حقيقي، بقدر ما هو رهاب شعبٍ تُظهر رموزه نفسها زيف الرواية المُصاغة لتبرير تهجيره.

ورغم أن مصطلح «رهاب فلسطين» أو «الفلسطينوفوبيا»، لم يُرسّخ بعدُ في المؤسسات أو في الخطاب الأكاديمي والإعلامي، كما هو الحال مع «الإسلاموفوبيا» أو «معاداة السامية»، إلا أنه يُشير إلى الخوف غير المبرر والعداء والقمع الموجه ليس فقط ضد النشاط السياسي الفلسطيني، بل ضد الوجود الفلسطيني بكليته، كما يُعبَّر عنه من خلال الرموز الثقافية واللغة والذاكرة. وهو مختلف عن أشكال العنصرية أو التحيز الأخرى في جانب جوهري، بوصفه ضرورة بنيوية لمشروع وجود «إسرائيل». فبينما تبدو «الإسلاموفوبيا» أو «معاداة السامية» تعبيرات عن كراهية موجهة ضد جماعات دينية، فإن رهاب فلسطين هو خوف وظيفي، يخدم هدف إنهاء وجود الفلسطينيين رمزيًا ثم سياسيًا وطي صفحة عقبة كأداء أمام وجود «إسرائيل» المستقر.

جدارية لتلويحة لامين يامال على أنقاض مبانٍ مدمرة في مخيم الشاطئ في غزة. تصوير عمر القطاع. أ ف ب.

البنية السياسية للمحو

لا يمكن فصل الخوف من الرموز الفلسطينية عن البنية السياسية الأوسع نطاقًا لطمس الهوية الفلسطينية، والتي يجري بناؤها منذ أكثر من قرن. تفتقر فلسطين اليوم إلى السيادة، فهي لا تملك السيطرة على حدودها أو مجالها الجوي أو مواردها الطبيعية. ويعيش شعبها تحت احتلال عسكري يُسيطر على كل جوانب الحياة اليومية، بدءًا من تقييد الحركة وهدم المنازل وصولًا إلى حرمانهم من الخدمات الأساسية. وفي هذا السياق، لا يبدو طمس الهوية الرمزية أمرًا ثانويًا، بل هو آلية أساسية للسلطة الاستعمارية. وكما لاحظ إدوارد سعيد، فإن الصهيونية كغيرها من المشاريع الاستعمارية، تعتمد على طمس هوية السكان الأصليين للحفاظ على صورة المستوطن الذاتية. فلا يُهجّر الفلسطينيون فحسب، بل يُصوَّرون أيضًا عقبة أمام الخلاص. وتُصوَّر مقاومتهم تهديدًا وجوديًا، ويُنظر إلى وجودهم بحد ذاته كتحدٍّ للهوية الصهيونية.

لذلك يبدو ضروريًا تشويه الرواية الفلسطينية وتهميشها في الأوساط الأكاديمية والإعلامية. وهذا التشويه والتهميش ليسا من قبيل الصدفة، بل يخدمان غرضًا محددًا، ألا وهو تهيئة الظروف المواتية لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم عبر إنكار واقع الهوية الفلسطينية وشرعيتها. في المقابل يستخدم الفلسطيني هذه الرموز للتعبير عن ذاته في عالمٍ حُرم فيه بشكل ممنهج من حق تمثيل نفسه. ولهذا السبب تُثير هذه الرموز حالة من الذعر، فكل رمز فلسطيني هو بمثابة خطاب مضاد، وإصرار على الذاتية الفلسطينية في نظامٍ مصممٍ لإنكار وجود هذه الذاتية.

وتتضمن البنية السياسية للمحو استراتيجية خطابية محددة، وهي الخلط بين الهوية الفلسطينية و«الإرهاب». فعندما تحظر برلين الكوفية بربطها بحماس أو يتهم وزير إسرائيلي لاعب كرة قدم بالتحريض على الكراهية لرفعه علمًا أو يعتقل نشطاء لعرضهم علمًا على نصب تذكاري، فإن المنطق الكامن هو نفسه، وهو معاملة الهوية الفلسطينية كشكل من أشكال التطرف. وهذا الخلط هو الأداة الأكثر فعالية المتاحة لمن يرغبون في قمع الوجود الفلسطيني دون الظهور بمظهر من يستهدف ثقافة شعب بأكمله. فإذا أمكن الربط بين الرمز و«الإرهاب» بدلًا من القومية، يُمكن تصوير قمعه على أنه إجراء أمني وليس شكلاً من أشكال الإبادة.

وحتى عملية الوصم بالإرهاب يتم تسريبها بشكل شديد الخبث في وسائل الإعلام السائدة. في واقعة لاعب فريق برشلونة لامين يامال والعلم الفلسطيني، ظهر تقرير في صحيفة نيويورك تايمز، عن الحادثة وفي متنه يقول كاتبه: «أفادت مصادر بأن يامال، وهو مسلم ملتزم، لديه مشاعر قوية تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وفي مقابلات صحفية، تحدث يامال عن أهمية دينه، موضحًا كيف يوفق بين صيام شهر رمضان وممارسة الرياضة الاحترافية». وفضلًا عن استعمال عبارة «أفادت مصادر» وكأنه يكشف أمراً سرياً وخطيراً، مع أن الجميع يعلم أن يامال مسلم، فإن المراسل، يشير بوضوحٍ إلى أن اللاعب ملتزم بالدين، ثم يعرض بعد ذلك موقف وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي يربط فيه بين تلويح يامال بالعلم الفلسطيني وبين «منظمة حماس الإرهابية»، على حد قوله. وبالتالي يجد القارئ الغربي غير المطلع على الأمور بشكل جيدٍ نفسه في أتون مقالةٍ مرتبةٍ بشكل يوحي بأن التلويح بالعلم هو ببساطة ودون تعقيد «دعم للإرهاب». ثم تأتي شركات سبر الآراء لتستطلع رأي هذا القارئ حول فلسطين و«إسرائيل» والإرهاب فيكون موقفه انعكاسًا لما يشاهد ويقرأ. مع أن ذلك لم يعد سائدًا في وقتٍ كسرت فيه وسائل التواصل – رغم القيود – هذه الهيمنة في الصناعة الرأي العام.

ما تُخفيه «الفلسطينوفوبيا»

بعيدًا عن البُعد السياسي، ثمة بُعد نفسي لرهاب فلسطين يستحق دراسة متأنية. لماذا يُثير علمٌ ما ردود فعلٍ عنيفة كهذه. بيانات رسمية واعتقالات وحظر وحوادث دولية؟ ما الحاجة النفسية التي يُلبيها قمع الرموز الفلسطينية؟ إنه قلق عدم الاستحقاق. فالهوية السياسية والثقافية الراسخة لا تحتاج إلى كل هذا الهلع لحمايتها. فهذه الحدة تشير إلى هشاشة إسرائيلية عميقة كامنة وراء السطوة. لو كان العلم الفلسطيني جامدًا حقًا، وغير ذي صلة، ورمزًا لقضية مهزومة وغير موجودة، لكان من الممكن تجاهله. لكن لأنه دال على وجود فلسطين – ولو رمزياً – فهو يثير الرعب في النفوس ويزعز البنية النفسية للمحتل. فكلٌّ هذه الرموز، مهما بدت بسيطة في شكلها المادي، تُشكّل تحديًا عميقًا للأسطورة التي تُغذي وجود «إسرائيل».

توفر نظرية «إدارة الرعب»، التي طورها في الثمانينيات والتسعينيات، جيف جرينبيرغ وشيلدون سولومون وتوم بيزتشينسكي، استنادًا إلى رؤية عالم الأنثروبولوجيا الثقافية إرنست بيكر في كتابه «إنكار الموت» (1973)، إطاراً لتحليل هذا الهلع من الرموز. فقد أدى هجوم السابع من أكتوبر إلى زيادة حدة التفكير في الموت وهاجس البقاء لدى المجتمع الإسرائيلي، وهو ما جعله أكثر حساسية في التعامل مع كل ما يتعلق بفلسطين، التي هي تمثل رمزياً «الموت» بالنسبة له، وبالتالي فإن كل محوٍ لها في الواقع أو في الرمز، هو حماية رمزية من قلق الموت.

أيضًا هناك بُعدٌ لما يُمكن تسميته بالشعور بالذنب الاستعماري، والذي يتجلى تحديدًا في رهاب فلسطين غربيًا. فالحكومات الأوروبية والأمريكية الشمالية التي قدمت دعمًا سياسيًا وعسكريًا وماليًا للسياسات الإسرائيلية تواجه تحديًا معياريًا متزايدًا من شعوبها. وقد شهد العالم منذ 2023 تحولًا كبيرًا في رؤية فلسطين، والتي امتدت لتشمل الرياضة والثقافة، كشف بوضوح الفجوة بين المواقف الحكومية الرسمية والرأي العام. وربما يكون الهلع الرسمي إزاء الرموز الفلسطينية جزئيًا هلع أولئك الذين يتمنون زوال هذا الزخم العالمي المتضامن مع فلسطين.

ومن أبرز جوانب رهاب فلسطين التي تكشف الكثير هو التفاوت الذي يُحدثه في الرموز المسموح بها والرموز التي تُقمع. مثل التناقض بين الاعتقالات التي جرت بسبب رفع العلم الفلسطيني على برج إيفل، وقرار بلدية باريس بإضاءة برج إيفل بألوان العلم الإسرائيلي. وهذا التفاوت هو التعبير المنطقي عن تسلسل هرمي سياسي تُعامل فيه رموز شعب ما على أنها تعبيرات مشروعة عن الهوية الوطنية، بينما تُعامل رموز شعب آخر على أنها تهديد للنظام العام. أما في ألمانيا، فقد استندت السلطات إلى المحرقة النازية كمبرر لقمع التعبير المؤيد للفلسطينيين، من خلال استغلال الثقل الأخلاقي للمحرقة لا لمنع الإبادة الجماعية، بل لدعم إبادة جماعية جديدة.

لكن من أعمق ألغاز سيكولوجية رهاب فلسطين هو مفارقة أن معسكر الإبادة الذي يضم أقوى دول العالم تتعامل مع علم وكوفية كما لو كانت تشكل تهديدات وجودية حقيقية. ربما يكمن الجواب في فكرة جدلية القوة. فالقوة الهشة أكثر عدوانية من القوة الراسخة. وما حدة رد الفعل المؤسسي تجاه الرموز الفلسطينية، على نحوٍ متناقض، سوى دليل على انعدام الثقة في الهويات والخطابات التي يتم الدفاع عنها. فإذا كان مفهومك الذاتي الجماعي مبنياً على الحاجة النرجسية إلى تأييد خارجي غير مشروط، وإذا كانت نظرتك الثقافية للعالم بمثابة حاجز ضد قلق الموت، فإنه من الطبيعي أن تشعر بالرعب من مجرد علم أو كوفية.

الساحة الجديدة للحرب الرمزية

تكمن المفارقة العجيبة لرهاب فلسطين في فشله التام في تحقيق هدفه. فكل حظر يُولّد مزيدًا من الاهتمام، وكل اعتقال يُعزز التضامن، وكل تصريح من وزير إسرائيلي حول «التحريض» يُثير موجة جديدة من السخرية والنقد تجاه «إسرائيل» ومن الاهتمام العالمي بالقضية الفلسطينية. فقد انتشرت لفتة يامال، التي وثّقها مقطع فيديو في غضون ساعات على نطاق واسع، وشاركها مع متابعيه البالغ عددهم 42.5 مليونًا على إنستغرام، حيث حصدت ما يقارب سبعة ملايين إعجاب. ورُسمت جدارية على أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة تكريمًا له. ولم تُفلح محاولات احتواء ذلك إلا في تعزيزه. ومنذ بدء حرب الإبادة، ارتفعت مبيعات الكوفية الفلسطينية بشكل كبير. وقد صيّرت محاولة قمع الكوفية هذه السلعة إلى واحدة من أكثر الرموز السياسية رواجًا في العالم، لتصبح رمزًا تجاريًا وثقافيًا ذا تأثير قويّ يفوق بكثير ما كان عليه قبل بدء الحظر. وتؤكد هذه الديناميكية أن الرموز لا تُهزم بالقمع، بل تستمد منه قوة أكبر.

لكن حادثة يامال ليست معزولة، بل هي جزء من نمط أوسع أصبحت فيه الرياضة والثقافة ساحتين رئيسيتين للمقاومة. في العام الماضي، دعا رئيس الوزراء الإسباني إلى «حظر إسرائيل من المشاركة في المسابقات الرياضات الدولية طالما استمرت همجيتها في غزة». فقد أصبح المجال الرياضي، بجماهيره الغفيرة ونجومه العالميين، أحد أكثر الساحات تنافسًا في الصراع الرمزي على فلسطين. فالرياضيون الذين يرفعون الرموز الفلسطينية يصلون إلى جماهير لا يمكن لأي خطاب سياسي أو نشاط عام الوصول إليها. ذلك أن رفع العلم الفلسطيني على حافلة الاحتفال بلقب الدوري الإسباني الأكثر مشاهدةً في العالم ليس مجرد بيان سياسي، بل هو تدخل رمزي يربط الهوية الفلسطينية بالعالمية ويخرجها في ضيق السياسة والوصم بـ«الإرهاب». وهو بلغة رولان بارت، يقدم «أسطورة مضادة» لما يريد معسكر الإبادة ترسيخه في العقول والنفوس.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free