هل تذيب حرارة الاقتصاد جليد السياسة بين سوريا ومصر ؟
في خضم التحولات الإقليمية الأخيرة، يبدو أن مصر وسوريا تتحركان بخطى محسوبة نحو إعادة بناء جسور التعاون، بعد سنوات من الفتور السياسي والتباعد الدبلوماسي، وما كان يوماً مجرد تحركات رمزية على طاولة المفاوضات، أصبح اليوم واقعاً ملموساً على الأرض، من خلال اتفاقيات ومذكرات تفاهم اقتصادية وتجارية، تطرح سؤالاً مهماً؛ هل يمكن للاقتصاد أن يكون مفتاحاً لتقارب سياسي أوسع بين الدولتين؟
شهدت الأسابيع الماضية، زيارات متبادلة بين البلدين على مستويات مختلفة، أبرزها الزيارة الاقتصادية للوفد المصري إلى دمشق، والتي وضعت أسس شراكات اقتصادية قابلة للتنفيذ.
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، شدد على أهمية البناء على نتائج هذه الزيارة ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين، في إشارة واضحة إلى أن القاهرة تعتبر الاقتصاد أداة استراتيجية لتعزيز الاستقرار والتقارب السياسي.

الخطوة الأبرز جاءت في كانون الثاني الماضي عندما وقعت مصر وسوريا مذكرتي تفاهم لتعزيز التعاون في مجال الطاقة، تشمل توريد الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية لدعم قطاع الكهرباء في سوريا وإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يؤكد أن هذه الاتفاقيات لا تمثل مجرد تبادل تجاري، بل تعكس استراتيجية أوسع؛ تهدف إلى تحويل المصالح الاقتصادية المشتركة إلى روابط لا يمكن تجاهلها، وهو ما يخلق أرضية قوية لبناء الثقة بين الطرفين.
في تجارب العلاقات بين الدول، غالباً ما يسبق الاقتصاد السياسة في فتح أبواب التقارب؛ ومشاريع الطاقة والبنية التحتية والاستثمارات المشتركة تصنع مصالح عملية تتجاوز الجدل السياسي، وتجعل من الانفصال السياسي أكثر تكلفة؛ وهنا فإن الاقتصاد يعمل كجسر عملي، يمكن أن يسهم في إذابة التراكمات السياسية التي طالما أعاقت التعاون.
التعاون الاقتصادي قد يسخن الأجواء ويخلق ديناميكية إيجابية، لكنه يحتاج إلى مرافق سياسية ترافقه، وإلى رؤية استراتيجية واضحة لتجاوز العقبات، وفي هذا السياق، يبدو أن القاهرة ودمشق تختبران نموذجاً عملياً للتقارب؛ الاقتصاد كرافعة، والسياسة كإطار يضمن استدامة النتائج؛ وإذا نجحت هذه التجربة، فقد نشهد فصلاً جديداً في العلاقات بين مصر وسوريا، يبدأ بالغاز والطاقة، ويمتد تدريجياً ليشمل مجالات أوسع من التعاون السياسي والإقليمي.
من المؤكد بشكل او بآخر أن حرارة الاقتصاد يمكن أن تذيب جليد السياسة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية لصبها في قوالب عملية مستدامة؛ ومصر وسوريا اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف علاقتهما، ليس بالكلمات وحدها، بل بالأفعال التي تصنع مصالح مشتركة وتعيد الثقة تدريجياً.
الوطن _ أسرة التحرير




