هل الفينيقيون عُمانيون؟ ما الذي لم يُروَ؟
الصحوة – في التاريخ، هناك أسئلة لا تموت، بل تعود كلما ظنّ العالم أنه حسمها. من بين هذه الأسئلة، يبرز سؤال قديم ومتجدد: من أين جاء الفينيقيون، سادة البحر في العالم القديم؟ وهل يمكن أن تكون جذورهم قد انطلقت من سواحل عُمان؟
هذا الطرح، الذي قد يبدو صادمًا للوهلة الأولى، لم يأتِ من فراغ، بل تناوله عدد من الباحثين، من بينهم المؤرخ البريطاني دونالد هولي في كتابه «عُمان ونهضتها الحديثة»، حيث أشار إلى احتمال أن يكون أصل الفينيقيين مرتبطًا بعُمان، مستندًا إلى روايات تاريخية وقراءات تستند إلى مصادر قديمة، في مقدمتها ما أورده المؤرخ الإغريقي هيرودوت، الذي نقل عن الفرس أن الفينيقيين هاجروا من سواحل البحر الإريتري نحو البحر الأبيض المتوسط، حيث استقروا وبدأوا رحلتهم البحرية التي غيّرت وجه التجارة في العالم القديم.
ولا يتوقف هذا الطرح عند حدود الرواية، بل يمتد إلى مجموعة من المؤشرات التي تعزز إمكانية وجود صلة بين الفينيقيين وسواحل عُمان. فالتشابه في بعض الأسماء، مثل “صور” في عُمان و“صور” على الساحل الفينيقي، يفتح باب التساؤل حول جذور التسمية، كما أن استخدام مصطلح “البحر الإريتري” في المصادر القديمة لوصف نطاق جغرافي واسع يشمل الخليج العربي وبحر العرب، يعيد تموضع عُمان ضمن هذا السياق التاريخي. وإلى جانب ذلك، يظهر التقارب في المهارات البحرية بوضوح، إذ عُرف العُمانيون منذ القدم ببراعتهم في بناء السفن والإبحار، وهي السمات ذاتها التي عُرف بها الفينيقيون لاحقًا في البحر الأبيض المتوسط، فضلًا عن الطابع التجاري المشترك الذي ميّز الطرفين، في إطار شبكات بحرية واسعة امتدت عبر مسافات طويلة.
هذه المعطيات، وإن لم تُقدَّم بوصفها أدلة قاطعة، إلا أنها تطرح قراءة مختلفة لتاريخ الفينيقيين، لا تضعهم فقط في سياقهم المتوسطي المعروف، بل تربطهم أيضًا بامتداد بحري أقدم، كانت عُمان أحد أبرز مراكزه منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، في زمن ازدهار التجارة مع حضارة السومريون وارتباطها بمنطقة “مجان”.
ومع ذلك، يبقى هذا الطرح في إطار الفرضيات التاريخية التي تستدعي البحث والمقارنة، لا سيما أن تاريخ الشعوب القديمة غالبًا ما يتشكّل عبر الهجرة والتداخل والتأثير المتبادل، أكثر مما يتشكّل عبر حدود جغرافية ثابتة. غير أن ما يبدو مؤكدًا، هو أن عُمان لم تكن يومًا على هامش هذا التاريخ، بل كانت جزءًا من فضائه البحري النشط، سواء كمصدر للمواد، أو كمحطة عبور، أو كبيئة أنتجت خبرات بحرية متقدمة.
وبين سواحل المتوسط التي ازدهرت فيها المدن الفينيقية، وسواحل عُمان التي عرفت البحر قبل آلاف السنين، تبقى المسافة مفتوحة على احتمالٍ تاريخي مثير؛ احتمال أن تكون رحلة الفينيقيين قد بدأت من هنا… أو على الأقل، مرّت من هنا، قبل أن تكتب فصولها على ضفاف العالم القديم.





