داخل مراكز التأهيل.. كيف يستعيد متعافون عراقيون حياتهم من جديد
بغداد – واع - آية منصور
كنت أعيش كأنني أنطفئ كل يوم، وحين وصلت إلى مركز التأهيل شعرت أن أحداً انتشلني قبل السقوط الأخير". بصوت متردد يستعيد متعافٍ عراقي حكايته مع الإدمان، تلك الحكاية التي بدأت بتجربة صغيرة، ثم تحولت إلى هاوية التهمت صحته وعلاقاته وملامح حياته القديمة.
داخل مركز التأهيل، لم يكن العلاج مجرد أدوية وجلسات، وإنما محاولة شاقة لاسترداد إنسان تآكل من الداخل حيث عاد إلى وجه أمه من دون خوف، وإلى النوم من دون كوابيس، وإلى فكرة الغد بعد زمن طويل من العتمة، ومن بين القصص التي تخرج من هذه المراكز، يبرز سؤال أكبر عن أهمية الرعاية النفسية والاجتماعية في إنقاذ المتعاطين ومنحهم فرصة فعلية لاستعادة حياتهم، ومن داخل هذه المراكز، تبدأ رحلة معقدة لا تتوقف عند سحب المادة المخدرة من الجسد، إذ تمتد إلى ما هو أعمق، إلى ترميم ما تصدّع في النفس، وإعادة بناء الصلة بالعائلة، واستعادة القدرة على العمل والانتظام والحياة اليومية.
حيث يقول أحد المتعافين والذي فضل أن نطلق عليه اسم، محمد، لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن "التعافي الحقيقي لا يُقاس بعدد الأيام التي يبتعد فيها الشخص عن التعاطي فقط، وإنما بقدرته على العودة إلى المجتمع من دون أن ينهار من جديد عند أول فراغ أو انتكاسة أو وصمة"، مشيراً الى، أنه "لا أنكر ان لحظة دخول مركز التأهيل كانت من أثقل لحظات حياتي، إذ وصلت وأنا محاصر بالخوف والتردد، ومحملاً بقناعة أن العلاج قد يخفق وأن ما وصل إليه أكبر من احتماله".
وأكمل، أن "الأيام الأولى كانت شديدة القسوة، وخصوصاً مع أعراض الانسحاب التي باغتتني بقلق حاد واضطراب في النوم وتوتر جسدي ونفسي ورغبة متكررة في الهروب، إلا أن ما خفف عني، هو الطريقة التي تعامل بها معي العاملون في المركز منذ الساعات الأولى"، مضيفاً أن "الأطباء والملاكات الصحية لم يكتفوا بإعطائه العلاج ومراقبة حالته، وإنما كانوا يشرحون له ما يحدث في جسده خطوة بعد أخرى، ويطمئنونه إلى أن الألم الذي يمر به جزء من مرحلة العلاج وليس علامة على النهاية".
وأشار إلى أن "هذا الدعم، إلى جانب المتابعة اليومية والكلام الهادئ والتعامل الإنساني، جعله يتمسك بفكرة الاستمرار بعد أن كان على وشك التراجع أكثر من مرة"، مؤكداً أن "أكثر ما بدد خوفه هو شعوره بأنه لم يعد وحيداً في مواجهة الإدمان، وأن المركز منحه للمرة الأولى إحساساً حقيقياً بإمكانية التعافي واستعادة حياته بصورة تدريجية وآمنة".
وتابع، إن "أكثر ما منحه الطمأنينة داخل مركز التأهيل لم يكن العلاج الدوائي وحده، إنما وجود فريق متكامل أحاط به منذ أيامه الأولى، وشاركه تفاصيل المرحلة الأصعب من التعافي"، مردفاً أن "الأطباء تولوا متابعة حالته الجسدية وأعراض الانسحاب بصورة دقيقة، في حين كان الأطباء النفسيون والاختصاصيون النفسيون حاضرين في الجلسات اليومية لمساعدته على فهم ما يمر به من خوف وارتباك وتقلبات حادة في المزاج، وهي أمور يقول إنها كانت تستنزفه بقدر ما كانت تستنزفه الآلام الجسدية".
ولفت الى ان "هذا التعاون بين الملاكات الصحية والنفسية داخل المركز، جعلني أشعر بأن العلاج يجري على أكثر من مستوى، وأن الغاية لم تكن تهدئة الأعراض فقط، وإنما مساعدتي على استعادة توازني وفهم الأسباب التي أوصلتني إلى تلك المرحلة".
وأكد أن "الكلمات التي سمعها من المختصين، وطريقتهم في الإصغاء إليه، ومتابعتهم اليومية لحالته، خففت كثيراً من رهبة التجربة، ورسخت لديه قناعة بأن التعافي يحتاج إلى رعاية متكاملة يشترك فيها الطبيب النفسي والاختصاصي النفسي والملاكات الصحية معاً، حتى يتمكن المتعاطي من الوقوف مجدداً على أرض أكثر ثباتاً".
وارتفع عدد مراكز علاج وتأهيل المتعاطين في العراق إلى 16 مركزاً موزعة بين بغداد والمحافظات الأخرى، بطاقة استيعابية تتجاوز خمسة آلاف سرير، في إطار توجه حكومي لتوسيع جانب العلاج والتأهيل إلى جانب المكافحة الأمنية، وهذه المراكز تعمل بتنسيق بين وزارة الداخلية ووزارة الصحة، مع توفير ملاكات طبية ومستوصفات داخلها، فضلاً عن جلسات علاج نفسي وسلوكي وخدمات للدعم النفسي والاجتماعي وإعادة الإدماج.
كما أكدت وزارة الصحة عند إطلاق البروتوكول الوطني لعلاج الإدمان، أن مركز القناة للتأهيل الاجتماعي في بغداد يضم 150 سريراً وأقساماً ومعدات طبية متطورة وكوادر متخصصة، وهو ما يعكس اعتماد فرق علاجية تشمل الأطباء والكوادر النفسية والصحية داخل منظومة التأهيل.
وبين محمد، إن "الأيام التي تلت المرحلة الأولى من العلاج بدأت تكشف له فرقاً واضحاً في حياته داخل المركز، إذ استعاد تدريجياً أشياء كان قد فقدها منذ مدة، من انتظام النوم إلى القدرة على تناول الطعام بهدوء والالتزام بجدول يومي واضح"، مشيرا الى ان "وجود برنامج منظم يضم مواعيد العلاج والمتابعة الطبية والجلسات النفسية ساعده على استعادة شيء من التوازن الذي افتقده خلال فترة التعاطي، وأن هذا الانتظام منحه إحساساً بالأمان وأشعره للمرة الأولى أن التعافي ليس فكرة بعيدة، إنما خطوات يومية صغيرة تتجمع بهدوء".
وأكد، أن "أكثر ما شجعه على الاستمرار هو ملاحظته تغيرات ملموسة في نفسه وجسده، إذ بدأ قلقه يخف، وشهيته تعود بصورة تدريجية، وصار أكثر قدرة على الحديث مع المختصين عن حالته من غير ارتباك أو رغبة بالانسحاب من التجربة".





