🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
206725 مقال 125 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2153 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

د. صالح سليم الحموري : بلمح البصر

معرفة وثقافة
أخبارنا
2026/06/03 - 00:08 501 مشاهدة

في هذا العصر المتسارع، لم تعد القرارات تُصنع دائمًا داخل غرف الاجتماعات الطويلة، ولا تنتظر بالضرورة أسابيع من التحليل والتقارير والدراسات. أحيانًا، قد يغيّر قرارٌ خاطف مسار إنسان، أو ينقذ مؤسسة، أو يلتقط فرصة تاريخية… في لحظة واحدة فقط: في "لمح البصر".

لكن السؤال الأهم: كيف يستطيع العقل البشري أن يتخذ قرارًا صحيحًا بهذه السرعة؟ وهل القرار السريع يعني بالضرورة تسرّعًا؟

لسنوات طويلة، ارتبط القرار الجيد في أذهاننا بالبطء والتأني وكثرة التحليل، وكأن "الحكمة" تُقاس بعدد الساعات التي نقضيها في التفكير. غير أن "علم النفس والإدراك البشري" يقدّم صورة مختلفة؛ فالعقل لا يعمل دائمًا وفق المسار التحليلي البطيء، بل يمتلك قدرة مدهشة على التقاط الأنماط، وقراءة الإشارات الخفية، واتخاذ أحكام دقيقة خلال ثوانٍ معدودة.

في كتابه "لمح البصر”، يوضح مالكوم جلادويل أن الإنسان قد يصل إلى قرار صحيح قبل أن يملك تفسيرًا واعيًا له. هذا ما يمكن تسميته بالذكاء الحدسي؛ ذلك الإدراك السريع الذي لا يولد من فراغ، بل يتكوّن عبر تراكم الخبرات والتجارب والمواقف السابقة.

وهنا تلتقي هذه الفكرة مع "علوم البصائر السلوكية"، التي تسعى إلى تصميم بيئات وخيارات تساعد الناس على اتخاذ القرار الصحيح بسهولة ووضوح، دون تعقيد أو إرهاق ذهني، وكأن القرار يحدث طبيعيًا… في لمح البصر.

فالطبيب قد يشعر منذ اللحظة الأولى أن هناك خطرًا ما قبل ظهور نتائج الفحوصات. ورجل الأمن قد يلتقط سلوكًا مريبًا وسط الحشود دون أن يفسّر سببه فورًا. وفي حياتنا اليومية، كثيرًا ما نشعر براحة أو نفور تجاه شخص منذ اللقاء الأول، وكأن العقل قرأ ما بين السطور قبل أن تبدأ الكلمات.

لكن هذه القدرة ليست معصومة. فالعقل السريع قد يكون عبقريًا، وقد يكون مخادعًا. فالقرار الخاطف لا يتأثر بالخبرة وحدها، بل قد يتأثر أيضًا بالتحيزات، والخوف، والانطباعات المسبقة، والمزاج اللحظي. ولهذا قد يصدر الإنسان حكمًا خاطئًا بثقة عالية، فقط لأن شعوره الداخلي بدا مقنعًا.

وفي زمن الذكاء الاصطناعي، أصبحت المسألة أكثر تعقيدًا. فالخوارزميات تتخذ اليوم آلاف القرارات في أجزاء من الثانية: ماذا نقرأ، ماذا نشتري، من يحصل على قرض، ومن تُتاح له فرصة أو خدمة. لكنها، على عكس الإنسان، لا تملك وعيًا ولا قيمًا ولا رحمة. إنها تقرأ البيانات والأنماط، لكنها لا تفهم الإنسان كما ينبغي أن يُفهم.

وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل نريد مستقبلًا تُصنع فيه كل القرارات بلمح البصر؟
الجواب لا يكمن في السرعة وحدها، بل في جودة ما بُنيت عليه هذه السرعة. فالقرار الخاطف الحكيم لا يولد فجأة، بل هو ثمرة عقلٍ تدرّب طويلًا، وخبرة تراكمت بصمت، ووعي يعرف متى يثق بحدسه، ومتى يتوقف لإعادة التفكير.

وأذكر هنا حديثًا للأستاذ سمير الحياري، ناشر "عمون”، حين قال إنه يستطيع بلمح البصر أن يقرر نشر مقال أو مادة صحفية. قد يبدو ذلك للبعض سرعة في التقييم، لكنه في الحقيقة خلاصة سنوات طويلة من القراءة، والمتابعة، وفهم الناس، والإحساس بما يلامس الرأي العام وما يفتقد القيمة. فالخبرة العميقة تختصر أحيانًا آلاف التفاصيل في لحظة واحدة، فيبدو القرار وكأنه وُلد فجأة، بينما هو في الواقع نتاج عمر كامل من التراكم المعرفي والحدس المهني.

بعض القرارات تحتاج إلى تأمل طويل، وبعضها يحتاج إلى شجاعة اللحظة. والحكمة ليست في أن نختار دائمًا القرار السريع أو القرار البطيء، بل أن نعرف أيّهما يناسب الموقف.
فالحياة لا تمنحنا دائمًا رفاهية الوقت.

وأحيانًا… يُصنع المستقبل كله في لمح البصر.


مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free